حاتم قطيش - رنان
11/4/2026
تتسارع أحداث وتداعيات تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وسط حالة من السخط والغضب الشعبي خاصة أن هذا القانون هو من القوانين الاجتماعية التي تمس كل بيت أردني وهو محط آمال وطموحات الأردنيين وحصالة أموالهم ..الأردنيون الذين تحملوا قسوة الحياة وضنك العيش والاغتراب عن الوطن وظروف العمل غير اللائق وتدني الحمايات الاجتماعية في عالم العمل في سبيل تأمين تقاعد يحفظ لهم كرامتهم فيما تبقى من أعمارهم.
بداية الحكاية .. الحكومة تعاقب الأردنيين على أخطائها هي
بدأت الحكومة منذ عدة أشهر بالتمهيد الى تعديل قانون الضمان الاجتماعي بقرع ناقوس الخطر والحديث الدائم على أن الوضع المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي ليس كما يرام، ثم تحولت موجة الاعلام الى الحديث عن الدراسة الاكتوارية للضمان الاجتماعي التي جاءت تشخص الوضع المالي للضمان الاجتماعي وتحدثت عن مخاطر الاحالات القسرية الى التقاعد المبكر خاصة من قبل الحكومة وعن أخطاء الخطة الاستثمارية لصندوق استثمار الضمان وعن التهرب التأميني وضرورة توسيع الشمول وعطفت على أهمية حوكمة مؤسسة الضمان ..
الحكومة وكعادتها تميل الى الحلول السريعة والسهلة وذات الأثر المباشر فسلطت الضوء على ضرورة تقليل فاتورة التقاعد سواء الوجوبي أو المبكر حتى وان كان فيه انتقاص من الحمايات الاجتماعية التي أنشئت مؤسسة الضمان الاجتماعي بالأساس لتعزيزها .. الحكومة تغافلت عن باقي المقترحات أو تعاملت معها بتعديلات اما زادتها سوءاً كاقتراحاتها بخصوص الحوكمة واما تعديلات عامة لا تتجاوز المصطلحات والعموميات... وكأنها تهرب من حقيقة أن قراراتها الخاطئة فيما يتعلق بالتقاعد المبكر القسري هي من قرب نقطة التعادل، وأنها بسياساتها الاستثمارية الخاطئة في صندوق استثمار الضمان هو من جعل عوائد الاستثمار قليلة وتخلو من التنوع الاستثماري .. فبدل أن تتدارك هذه الأخطاء وتعلن حزمة من القرارات التي من شأنها تقليل فاتورة التقاعد وتوسيع الشمول ومكافحة التهرب التأميني وتنويع الاستثمار .. لجأت - من خلال التعديلات المقترحة - الى جيوب المواطنين مرة أخرى!!!
الأردنيون حفظوا الدرس والتقطوا الرسالة مبكراً
بمجرد أن أفصحت الحكومة عن التعديلات المقترحة خاصة فيما يتعلق بزيادة سن التقاعد الوجوبي من 60 الى 65 بالنسبة للرجال وزيادة نسبة الاقتطاع من راتب التقاعد المبكر لتصل 4% سنوياً .. تداول الأردنيون في مجالسهم أن الحكومة تهدف الى رفع سن التقاعد الى 62 ونسبة خصم التقاعد المبكر الى 2%، وأنها ستصل الى هذه الأرقام بعد حوارات شكلية مع النواب ليتمكن النواب من الرجوع الى قواعدهم بانجاز تخفيض مقترحات الحكومة، وهم بالواقع ينفذون طموحات الحكومة الأساسية!!!
الحكومة بدورها عززت هذا التوجه من خلال اعلانها اطلاق حوار اجتماعي نخبوي من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولكن وفي ذات اليوم الذي أعلن فيه المجلس انتهاء الحوار وعقد مؤتمراً صحفياً أعلن فيه التوصيات التي تصلح أن يبني عليها فريق الخبراء في الضمان الاجتماعي ويبدأ بصياغة مسودة المشروع؛ ما هي الا سويعات حتى جاء الخبر أن مجلس ادارة الضمان قد أقر مسودة التعديلات وبعثها الى مجلس الوزراء!!! .. الوقت مابين اعلان مخرجات الحوار والمصادقة على مشروع القانون لا يكفي حتى لقراءة مخرجات الحوار لا الى صياغة مشروع قانون معدل!!
اصرار على الهروب الى الأمام
في ظل الحرب القائمة في المنطقة وحالة عدم الاستقرار وحديث الخبراء بضرورة الاستدارة الى الداخل الوطني وتعزيز النسيج المجتمعي وتمتين الجبهة الداخلية، وفي ظل أن المواد الأكثر أهمية في القانون والتي تمس المواطنين بشكل مباشر والمتعلقة بالتقاعد الوجوبي والمبكر سيبدأ تطبيقها في العام 2030، وفي ظل أن هناك دراسة اكتوارية جديدة مستحقة قانونياً يجب أن تصدر قريباً والتي يمكن أن تغير من المعادلة برمتها، وفي ظل بقاء ما يقارب أيام قليلة على نهاية الدورة العادية لمجلس النواب، وفي ظل أن الغالبية الساحقة من الخبراء الاقتصاديون والسياسيون والأحزاب والمراكز البحثية يرون التريث في اقرار هذه التعديلات .. يأتي الموقف الحكومي -غير المفهوم- بالاصرار على عدم سحب القانون بل والاستعجال باقراره خلال أيام قليلة!!!
تعديلات واضافات لجنة العمل زادت الطين بلة
بعد ان فشل التصويت على رد القانون في جلسة مجلس النواب وتمت احالته الى لجنة العمل؛ انهالت التصريحات من قبل رئيس اللجنة وأعضائها والأحزاب والكتل النيابية والتي تؤكد أن التعديلات المقترحة من الحكومة هي تعديلات قاسية ولن تمر بصيغتها الحالية وامتلأ الفضاء الالكتروني بعشرات التصريحات والمقابلات التلفزيونية والاذاعية ومقاطع الريلز المصحوبة بموسيقى حماسية، أوصلت رسائل تطمينية الى المواطنين أن تحويشة عمرهم لن يتم التفريط بها.
لجنة العمل النيابية أطلقت حواراً وطنياً عقدت فيها ما يقارب من 300 لقاءاً حوارياً مع أحزاب ونقابات وخبراء ووزاء سابقين ورؤساء لجان عمل سابقين .. كل ذلك تم خلال أقل من شهر في جلسات ماراثونية وصفها بعض النخب التي شاركت بها أنها جلسات استماع ولاترقى الى أن تكون جلسات حوار ولم يتم فتح المجال فيها لهؤلاء النخب من الحديث سوى دقائق قليلة لا تكفي حتى لإبداء موقف عام من التعديلات دون الخوض بتفاصيل مواد القانون!!
تسربت بعض الاقتراحات التي أضافتها اللجنة على التعديلات والتي خلقت صدىً سلبياً كونها تطابقت مع ما كان يتداوله الأردنيون من اللحظة الأولى وهو تقليل عمر التقاعد الوجوبي وتقليل -نسبي- على نسب الخصم ولكنها بالوقت ذاته أقحمت معامل المنفعة في معمعة التعديلات وكأنها خففت من نزيف العمر ونسبة الخصم - ولم توقفه - وفتحت جرحاً جديداً، حتى أن هذه التعديلات أحدثت صخباً داخل اللجنة نفسها وتم على اثرها ارجاء النقاش والتصويت.
هل تتدارك الحكومة وتسحب القانون أو تأجله
المتابع لمنصات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وبعض مجموعات الواتساب يرى بوضوح حالة الغليان والغضب الشديد، البعض ينادي بالانسحاب من الضمان والتمرد عليه خاصة من المشتركين اختيارياً والبعض الآخر يدعو الى النزول الى الشارع والبعض يطالب بفضح النواب الذين لا يقفون صراحة ضد سحب مشروع القانون، ويبدو أن هذه الاعتراضات تزداد وتيرتها والخوف من تضافعها ككرة الثلج حتى لا يمكن السيطرة عليها لا قدر الله..
ما يقلق في الأمر أن أي حراك شعبي والنزول الى الشارع دون تنظيم من الأحزاب والنقابات سيصعب السيطرة عليه .. فالمعروف أن من يدعو الناس للنزول للشارع هو وحده من سيقنعهم بالرجوع، أما اذا كان النزول عشوائياً ودون جهة منظمة سيكون من الصعب جداً الحوار مع كل هذه الجماهير واقناعها بالرجوع.
الكرة في ملعب الحكومة ولا بد لها من نزع فتيل الأزمة وطمأنة الأردنيين على أموالهم وحقوقهم المكتسبة ورواتب تقاعدهم والاعلان صراحة الى سحب القانون أو على أقل تقدير ارجاء نقاشه والتصويت عليه الى الدورة النيابية القادمة واجراء مزيداً من الحوار المعمق والدراسات الاكتوارية لهذه التعديلات.
حفظ الله الأردن

Post a Comment