recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

استجواب " العمل اللائق " .. دروس "طهبوبية" للعمال والنقابات العمالية

استجواب " العمل اللائق " .. دروس "طهبوبية" للنقابات العمالية


رنان - 8/1/2026

 أثارت أسئلة النائبة ديمة طهبوب لوزارة العمل بخصوص معايير العمل اللائق جلبة كبيرة تحت القبة، ويحق للنائبة أن تغضب من طبيعة الرد وقد يبدو للوهلة الأولى أن قرارها تحويل السؤال الى استجواب يأتي كرد فعل انفعالي، ولكن ما أن تقرأ الأسئلة "المائة" التي وردت في الاستجواب حتى تتولد لديك القناعة أنها صيغت بهدوء وحرفية كبيرة تتناسب وأهمية العمل اللائق وضرورة المراقبة والمحاسبة للبرامج التي تم تنفيذها وكيفية التنفيذ وكلف التنفيذ ونسبة الانجاز والرؤية المستقبلية ونتائج الحوارات وخارطة الطريق ..الخ.

استجواب النائبة المحترمة لم يتطرق لمعايير العمل اللائق كما تعودنا بتقارير وبيانات وأوراق الموقف التي تصدر هنا وهناك؛ وانما جاءت مفصلة مرتبية ومقسمة الى محاور محددة فمن محور السياسات العامة ومعايير التشغيل الى محور الأجور والحد الأدنى للأجور ثم الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي ومحور قانون العمل ومحور النقابات العمالية والحوار الاجتماعي وانتهاءاً بمحور السلامة والصحة المهنية، واذا ما دققنا بتفاصيل أسئلة كل محور نجد أنها أسئلة كفيلة بتغطية كافة جوانب المحور التي تتحدث عنه كمعيار مهم من معايير العمل اللائق، وفي هذه السطور لن أتطرق الى جميع المحاور التي تحدثت عنها أسئلة النائبة المحترمة وانما سأسلط الضوء على أهمية محور النقابات العمالية.


حرية التنظيم النقابي


بسؤال النائبة طهبوب عن عدم المصادقة على اتفاقية العمل الدولية الخاصة بحرية التنظيم النقابي وعدم السماح بالتعددية النقابية هي لم تأتِ ببدعة في العمل النقابي وانما تطالب بالمصادقة على اتفاقيات العمل الدولية التي تحفظ للعمال هذا الحق وعلى رأسها اتفاقية العمل الدولية رقم 87 و العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

ان تقزيم العمل النقابي وتحجيمه بعدد معين من النقابات العمالية -غير الفاعلة منذ سنوات- وعدم السماح بتكوين نقابات عمالية جديدة استناداً لقرار تصنيف المهن الذي يطلق يد وزير العمل ويكبل أيدي النقابيين والنقابات العمالية من ممارسة حقهم في التنظيم النقابي والتعددية النقابية.

المصادقة على اتفاقيات العمل الجماعية  ليس اجراءاً بروتوكولياً وانما يجب تعديل قانون العمل والضمان الاجتماعي بما ينسجم مع هذه الاتفاقيات وتفعيل موادها وتعديل كافة التعديلات والأنظمة التي تتعارض معها، بل وعدم اقرار أو "المصادقة" على أية أنظمة تتعارض وهذه الاتفاقيات وتحد من حرية التنظيم النقابي.

ضعف حرية التنظيم النقابي في الأردن هو أحد أسباب تزايد وتفاقهم الانتهاكات بحق العمال والنيل من شروط العمل اللائق وقد كان للأردن دائماً - للأسف الشديد - فقرة ثابتة في معظم التقارير الحقوقية والانسانية على الصعيد المحلي والدولي، فلطالما انتقدت تقارير منظمة هيومن رايتس هشاشة الحريات النقابية والقيود المفروضة على انشاء او الانتساب للنقابات وحصر النقابات العمالية بسبعة عشر نقابة فقط والتعدي على حق المفاوضة الجماعية وحق العمال بوضع دساتير وأنظمة نقاباتهم العمالية.

الاتحاد العربي للنقابات توسع في تقريره السنوي للعام 2024 في موضوع الحريات النقابية في الأردن وخلص الى أنه لا ضمانة لحقوق العمال في الأردن!

على الصعيد المحلي أوصت  تقارير المركز الوطني لحقوق الانسان بشكل سنوي تقريباً الى ازالة العوائق التي تحول دون ممارسة العمال سواء العاملين في القطاع الخاص أو العام حقهم في انشاء أو الانتساب للنقابات العمالية.


الحق في المفاوضة الجماعية وعقود العمل الجماعية


سلط استجواب العمل اللائق للنائبة طهبوب الضوء على حق المفاوضة الجماعية  كأحد أهم الحقوق العمالية التي يتم التعدي عليها مما ينعكس بشكل مباشر على ظروف عمل هؤلاء العمال وأجورهم وغياب معايير السلامة وشروط العمل اللائق في عالم العمل، كما يعطي مساحة أكبر لبعض أصحاب العمل من اهمال صوت العمال ومعاقبة المعترضين منهم خاصة بعد تعديلات قانون العمل في العام 2019 التي سلبت حق المفاوضة الجماعية من " مجموعة من العمال " تتوافق فيما بينها للتفاوض مع صاحب العمل وحصرت هذا الحق في النقابات العمالية السبعة عشر التي لا يتم الكشف حتى هذه اللحظة عن أعداد المنتسبين لها والمنشآت التي يعمل بها رؤساء هذه النقابات، لمعرفة مدى تمثيلها للعمال في سوق العمل التي يعتقد البعض انها ضعيفة جدا بل ان العديد من العمال لا يعلمون شيئاً عن هذه النقابات بل ولا يشاركون في صياغة أنظمتها الداخلية ولا حتى انتخاب أعضاء هيئاتها الادارية؛ حيث دأبت معظم هذه النقابات على تشكيل هيئاتها الادارية بالتزكية وليس الانتخاب ، ففي آخر استحقاق انتخابي مثلاً لهذه النقابات تم تشكيل ستة عشر هيئة ادارية من أصل سبعة عشر بالتزكية ولم يتم اجراء انتخابات نقابية الا في نقابة واحدة هي نقابة العاملين بالكهرباء بعدما نفذ العمال أمام الاتحاد العام للنقابات العمالية أكثر من وقفة احتجاجية مطالبين بحقهم في انتخاب هيئتهم الادارية وبعد تدخل مجلس النواب والزام الاتحاد باجراء الانتخابات!!

أقول ان تكبيل يد العمال عن ممارسة حقهم في المفاوضة الجماعية وحصر هذا الحق بنقابات عمالية محددة دون النظر الى نسبة تمثيل هذه النقابات للعمال يعد اضعافاً بل يكاد يكون الغاءاً لحق المفاوضة الجماعية اذا ما علمنا ان هناك منشآت كاملة لا ينتسب عمالها لأي نقابة عمالية ابتداءاً.

كما تضمنت تعديلات قانون العمل نزع حق فتح النزاع العمالي في وزارة العمل من مجموعة من العمال لتضعه حصراً بيد النقابات العمالية السبعة عشر مما يضعف حق المطالبة بالحقوق ووقف الانتهاكات حتى لو عن طريق وزارة العمل!!


الاحتجاجات العمالية وتجريم الاضراب وحماية النقابيين


منح قانون العمل للعمال الاحتجاج بالاضراب العمالي كأحد الأدوات الضاغطة على صاحب العمل من أجل نيل الحقوق ووقف الانتهاكات بحقهم وخلق بيئة عمل لائقة، ولكن هذا الحق منقوص بتقييد شروط اطلاق الاضراب العمالي وحصره أيضاً بنقابات عمالية تعتبر بنظر العديد من العمال لا تمثلهم ولم يساهموا في اختيار هيئاتها الادارية أو حتى وضع أنظمتها الداخلية.

ان التعامل مع أي احتجاج عمالي خارج اطار النقابات العمالية السبعة عشر يتم معالجته ليس من خلال قانون العمل بالرغم من كون الاحتجاج عمالي؛ وانما يتم التعامل معه وفق قانون الاجتماعات العامة حتى لو قام بالاحتجاج جميع العمال في منشأة معينة لا يتم الالتفات الى هذا الاجتماع بل ولا يقوم صاحب العمل بالتفاوض معهم حسب قانون العمل، بل يمكن لرئيس نقابة معينة التواصل مع صاحب عمل واجراء مفاوضة معه وابرام عقد عمل جماعي يكون هذا العقد ملزم لجميع العمال في المنشأة حتى وان لم يكونوا أعضاءاً في النقابة أصلاً!!، وما يزيد الأمر تعقيداً أيضاً أن قانون العمل حصر حق ابرام عقود العمل الجماعية بالنقابات السبعة عشر فقط حتى لو ابدى صاحب العمل مرونة وتعاوناً مع العمال ورغب بابرام عقد جماعي مع مجموعة من العمال فإنه لا يستطيع ذلك الا من خلال رئيس نقابة عمالية وموافقته أيضاً، لنكون أمام حالة ضعف العمال بدون غطاء نقابي يحميهم وضعف النقابة العمالية بدون تمثيل حقيقي للعمال؛ الأمر الذي سيفرز حتماً عقود عمل جماعية هشة بل يغلب عليها صفة الإذعان وليكون المستفيد الوحيد من كل هذا التشرذم هو صاحب العمل.

أما فيما يتعلق بحماية النقابيين فقد حملت تعديلات قانون العمل الأخيرة - التي لم ترى النور- تعديلاً على المادة 108 التي تكشف الحماية عن النقابيين وتطلق يد أصحاب العمل بمعاقبتهم على نشاطهم النقابي ودفاعهم عن العمال، صحيح ان هذه التعديلات لم تقر الا انه يمكن أن تعاد مرة أخرى ضمن حزمة التعديلات المرتقبة، بعدما قامت الحكومة بسحبها.


الحوار الاجتماعي 


ان تكريس الحوارالاجتماعي يعتبر مؤشراً للممارسة الديمقراطية وحرية الرأي والحق في التعبير ومرادف لنسبية امتلاك الحقيقة، واينما وجد الحوار الاجتماعي تقلصت الفردية والانفراد بالرأي وسياسة الأمر الواقع وتفشي الظلم، فالحوار هو نقيض لكل هذه الآفات.

ان ما تقوم به الحكومات المتعاقبة تحت مسمى الحوار الاجتماعي عند اقتراح تشريعات معينة من اقامة "جلسات استماع" مع أشخاص أو هيئات "مختارة" وأخذ الجلسات هذه طابع اقناع الحكومة للمدعويين بضرورة ووجاهة هذه التعديلات. ولا يتم - بالعادة - الأخذ بملاحظات هؤلاء الأشخاص والهيئات.

 الحوار الاجتماعي يجب أن يأتي قبل صياغة مشاريع القوانين أو حتى الأنظمة أو التعليمات للخروج بصيغة تراعي مصالح كافة الأطراف المعنية خاصة أطراف الانتاج الثلاثة ( الحكومة وأصحاب العمل والعمال ).

المطلوب مأسسة الحوار الاجتماعي وتنظيمه وتحديد الأسس التي ينطلق منها الحوار ومدى الزام مخرجاته للحكومات وتوقيت اطلاقه ومدى فعالية الجهات المشاركة في هذا الحوار وتمثيلها للعمال.

مطلوب من الحكومة اطلاق حوار اجتماعي حقيقي مع النقابات العمالية أو ممثلي العمال الحقيقيين لضمان أن تكون مخرجات هذا الحوار تمس الواقع العمالي تنعكس بالنهاية على عالم العمل بشكل عام ليكون لائقاً خالياً من الانتهاكات، وعلى صعيد آخر غير مقبول من النقابات العمالية حالة الجفاء والبعد عن العمال واستمرارها بتهميش دور العمال خاصة فيما يتعلق بوضع أنظمة نقاباتهم أو حتى المشاركة في الحوار حولها وممارسة حقهم الطبيعي باختيار ممثليهم النقابيين.


لا عمل لائق دون ..  قوة العمال ونقابات عمالية فاعلة


ان جل الأسئلة المائة التي وردت في استجواب النائبة طهبوب انما هي بالأصل حقوق عمالية ..  صحيح أن النواب دورهم تشريعي يساهم في تجويد تشريعات العمل وأيضاً رقابي يساهم في تطبيق الحكومات والجهات المعنية لهذه التشريعات واتباعها لسياسات رشيدة تؤسس لعالم عمل لائق.

وصحيح أيضاً أن المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني لها دور محوري في دفع عربة سوق العمل نحو مستقبل آمن خال من الانتهاكات ويلبي معايير العمل اللائق .. ولكن كل هذه الجهات دورها يأتي بعد أصحاب القضية الأصليون وهم العمال، وطالما أن أصحاب القضية في حالة ضعف وتشتت وتشرذم وحرمان من تنظيم نقابي حقيقي وحر فإن مجابهتهم لهذه الانتهاكات ستكون ضعيفة وممارستهم لحقهم في انشاء والانتساب للنقابات ووضع دساتيرها واختيار ممثليهم فيها والمشاركة الفاعلة بالحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية والاحتجاجات والاضرابات العمالية وصولاً الى ابرام عقود عمل جماعية منصفة تحافظ على الحقوق وتضمن استدامة المنشآت وأصحاب العمل.

أقول أن قوة العمال الرئيسية تكمن في قوة تنظيمهم النقابي وقوة النقابات العمالية تكمن في قوة ووعي العمال المنتسبين لها، ولا يمكن تحقيق شروط العمل اللائق ظل نقابات عمالية ضعيفة وعمال مغيبون.

تالياً نص الاستجواب التي تقدمت به النائبة ديمة طهبوب :






















Post a Comment

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020