رنان - حاتم قطيش
11-1-2026
منذ أن تزايدت الهجرة من القرى الى المدن بل ومن المدن البعيدة الى العاصمة عمان وتضاريس هذه المدينة ذات الطبيعة الخضراء والتربة الحمراء التي تنبض بالحياة؛ تغيرت الى مدينة اسمنتية تتفشى فيها الاسكانات راسمة صورة رمادية باردة الملامح.
وأنا هنا لن أتحدث عن أسباب هذه الهجرة أو عن شكل المدينة الجديد أهو ايجابي بداعي الحداثة والتطور أم هو سلبي بداعي القضاء على المساحات الخضراء - القليلة أصلاً- في بلدي؛ ولكني سأتعامل مع هذا الأمر كأمر واقع وأؤشر على أحد مظاهر هذا "التطور" في استحداث أشكال عمل جديدة لا زالت حتى هذه اللحظة تائهة في فلك الاقتصاد غير المنظم وتحرم الأردنيين من مئات آلاف فرص العمل وتحرم مؤسسة الضمان الاجتماعي من واردات ليست بالقليلة يمكن لها أن تكون أحد حلول ابعاد شبح نقطة التعادل في الضمان، ناهيك أن العاملين في هذا القطاع هم خارج الحمايات الاجتماعية وظروف العمل اللائق وغالبيتهم الساحقة ليسو أردنيين.
ان قطاع تنظيف وحراسة الاسكانات وغسيل السيارات في الأحياء هو قطاع كبير بالنظر الى أن عمان لوحدها فيها ما يقارب مليون شقة سكنية وبالطبع مئات الآلف من الاسكانات وما يزيد عن مليون سيارة؛ وجل هذه الإسكانات يتم حراستها من قبل عمال غير أردنيين بالاضافة ان سكان هذه الاسكانات يتعاقدون بشكل شفوي - غالباً - مع هؤلاء العمال لتنظيف هذه الاسكانات وغسيل السيارات.
مستقبل العمل وأشكال العمل الجديدة
في الحديث الدائم عن مستقبل العمل وانقراض أشكال عمل خاصة تلك المرتبطة بالأتمتة والجميع يستخدم هذا المعلومة لرسم واقع مظلم من تفشي البطالة وانقراض الأعمال وانسحاب الانسان من هذه الوظائف ليحل محله الحواسيب والروبوتات.
واقع الأمر أن خارطة الوظائف ستتغير في المستقبل ليتم اختفاء أشكال عمل كثيرة ولكن بالمقابل سيتم استحداث أشكال عمل جديدة، وعندما نصر على الانتقال الآمن لمستقبل العمل فإننا نقصد بذلك تجهيز العمال الذين ستنقرض أشكال العمل التي يتقنونها وتدريبهم على أشكال العمل الجديدة، وأيضاً حُسن استثمار أشكال العمل المستحدثة وجاهزية العمال وأصحاب العمل.
وصحيح أن حراسة الاسكانات وتنظيفها وغسيل سيارات القاطنين فيها لا يعتبر شكل جديد مستحدث بالمطلق؛ الا انه كان محدوداً وبسيطاً وبدأ يتوسع ويتفشى بصورة تستلزم التوقف والتمعن وحسن التصرف لرفد الاقتصاد الوطني وتقليل نسبة البطالة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
تقليل معدل البطالة
ان قطاع تنظيف الاسكانات وغسيل السيارات يكاد يكون محصوراً بالعمال غير الأردنيين وجلهم لا يملكون تصاريح لممارسة هذه الأعمال وانما لديهم تصاريح عمل مختلفة - غالباً زراعة- ثم يتفرغون لتنظيف وحراسة هذه الاسكانات وأيضاً تنظيف سيارات قاطني هذه الاسكانات.
السبب الرئيسي لاحجام العمال الأردنيين عن ممارسة هذا النوع من العمل هو تدني الأجور وغياب الحمايات الاجتماعية فلا ضمان ولا تأمين صحي ولا تأمين لاصابات العمل؛ مما يجعل العمل في هذا القطاع يحمل في طياته العديد من المخاطر ويعتبر بيئة خصبة للانتهاكات العمالية خاصة أن العمال الذين يمارسون هذه الأعمال انما يمارسونها بعيداً عن أعين التفتيش لأنهم داخل البنايات وغالباً ما يقومون بغسيل السيارات في الفترة المسائية حتى ساعات الفجر الأولى.
عشرات الآلاف من فرص العمل يمكن لها أن تتوفر للأردنيين ان تم تنظيم هذا القطاع في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن ضرورة استحداث ما يقارب 70 ألف فرصة عمل سنوياً، كما أن انتقال هذا القطاع من الاقتصاد غير المنظم الى الاقتصاد المنظم سيوفر أعداداً كبيرة من فرص العمل للأردنيين وسيقلل من تحويل الدينار الأردني الى الخارج وسيحرك الاقتصاد الوطني ويوسع من مظلة الحمايات الاجتماعية.
توسيع الشمول في الضمان الاجتماعي وابعاد لنقطة التعادل
بعدما تم نشر نتائج الدراسة الاكتوارية للضمان الاجتماعي والكشف عن أن نقطة التعادل الأولى ستكون في العام 2030 أي بعد سنوات قليلة قادمة، تكدست مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات المقالات والتحليلات التي اما أنها تنشغل بمهاجمة الحكومة وادارة الضمان- وحُق لهم ذلك- بسبب سوء الادارة والبعض الآخر انشغل بالحلول المقترحة والتي انصب معظمها على أهمية تقليل المصاريف لتتفق الغالبية العظمى منهم - صدفة - على ضرورة زيادة سن تقاعد الشيخوخة و الغاء أوالتشديد على شروط التقاعد المبكر أو حتى العبث بمعادلة احتساب الرواتب التقاعدية للمتقاعدين مبكر.
كل ما سبق مهم ولا يجب اغفاله بضرورة محاسبة المقصرين وأيضاً ضبط النفقات ولكن بشرط دون الاخلال بالحمايات الاجتماعية؛ ولكن الأهم من ذلك هو ضرورة ابتكار برامج وآليات لتوسيع الشمول في الضمان الاجتماعي في ظل الحديث عن أن نسبة المشمولين في الضمان الاجتماعي لا تتجاوز 50% من العاملين في أحسن التقديرات!!
أقول ان تركيز الحديث عن زيادة واردات أموال الضمان لتوسيع الشمول فيه الحلول المثلى لضمان استدامة الضمان الاجتماعي وعدم المساس بالحمايات الاجتماعية للعاملين وابعاداً لنقطة التعادل، ومن هنا فإن التفكير في تنظيم قطاع تنظيف الاسكانات وغسيل السيارات يعتبر - بنظري - من الحلول المثلى لتوسيع الشمول وتدفق اشتراكات جديدة تبعث الحياة والأمل من جديد في مؤسسة الضمان الاجتماعي.
ولتنظيم هذا القطاع منافع أخرى ..
بالاضافة الى أهمية توفير فرص عمل للأردنيين وتوسيع مظلة الحمايات الاجتماعية وتوسيع الشمول في الضمان الاجتماعي من خلال تنظيم هذا القطاع، فإن هناك منافع أخرى أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
تحقيق شروط العمل اللائق
ان بتنظيم هذا النوع من الأعمال وضمان أن هؤلاء العمال سيتقاضون أجوراً عادلة ويتمتعون بحمايات اجتماعية ويحظون بعقود عمل فإننا بذلك نوسع من دائرة العمال الذين يعملون ضمن شروط العمل اللائق وبالضرورة تقل نسبة العمال الذين يفتقدون لهذه الشروط وربما يعملون دون أدنى شروط السلامة العامة و تحت وطأة العمل الجبري.
أمان وظيفي وتجويد العمل
عندما يعمل العامل الأردني ضمن شروط العمل اللائق وبعقود عمل ومع صاحب عمل محدد ومعروف فإن هذا العامل يشعر بالأمان الوظييفي وتزيد انتاجيته وبالمقابل فإن سكان هذه الاسكانات وأصحاب السيارات يمكن لهم أن يحصلوا على خدمات أجود وبرقابة أفضل.
تطوير القطاع وتحسين الخدمات
اذا ما كان هناك شركات متخصصة في هذا المجال وتقوم على التعاقد مع الاسكانات على تنظيف العمارات وغسيل السيارات فإن جودة الخدمة المقدمة ستتحسن بالتأكيد في ظل استخدام أجهزة وأدوات تنظيف متطورة تساهم في تحسين الخدمة وتأمين شروط السلامة العامة للعمال؛ فالعمال الحاليين كل ما يملكونه سطل ماء وقشاطة وشريطة وعلبة سائل جلي لكافة الاستخدامات، بينما يمكن ادخال أجهزة وأدوات كآلات تلميع البلاط ومضخات تنظيف السيارات وتحديد الأدوات المستخدمة ضمن عقود واضحة تحفظ حقوق جميع الأطراف.
من جهة أخرى يمكن ادخال خدمات أخرى للعقود بين الشركات وسكان الاسكانات كالصينات الدورية المتعلقة بالكهرباء والمجاري وربما توفير تنكات المياه في حال انقطاعها وأيضاً صيانة المصاعد، وادخال خدمات التنظيف والتعزيل داخل الشقق.. الخ
المحافظة على مياه الشرب واستثمار مياه الامطار
الواقع الحالي في تنظيف الاسكانات والسيارات هو استخدام مياه الشرب المخصصة للشقق السكنية وفي هذا هدر كبير في ظل شح المياه الذي نعاني منه، واذا ما أشرفت شركات متخصصة على هذا الأمر فسيتم اشتراط استخدام المياه غير الصالحة للشرب لأغراض التنظيف، كما يمكن وضع آليات وخزانات خاصة لاستثمار مياه الأمطار وتجميعها للاستفادة منها لاحقاً لأغراض التنظيف.
زيادة الانتساب للنقابات العمالية
ان بدخول قطاع واسع الى العمل المنظم سيكون من الضرورة بمكان استحداث نقابة عمالية لهم تدافع عن حقوقهم وتضمن لهم بيئة عمل لائقة وأيضاً توفر لهم مظلة قانونية للنزاعات العمالية.
بتنظيم هذا القطاع سنكافح البطالة بتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل وستكون بيئة جاذبة للعمال الأردنيين تؤمن لهم شروط العمل اللائق وتوسع من مظلة الحمايات الاجتماعية وتزيد نسبة الشمول في الضمان الاجتماعي لابعاد شبح نقطة التعادل.

Post a Comment