recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

إلى الوزير داوودية: من هنا ابدأ .. حسين الرواشدة




في تموز 1964 قررت الحكومة الأردنية منع استيراد القمح والطحين بسبب جودة الموسم وكفاية الإنتاج المحلي من الحبوب، وبعد عام تقريبا قررت الحكومة -أيضا- تصدير القمح للجمهورية العربية المتحدة (مصر)، إذ إن الإنتاج من القمح بلغ في ذلك الموسم 286 ألف طن، خصص منها 159 ألف طن للاستهلاك المحلي، وتم تخصيص 35 ألف طن للبذار، كما تم تصدير 10 آلاف طن إلى المملكة السعودية للاستخدام كبذار، هذا الخبر منشور وموثق وقد جاء في خاتمته « ومما هو جدير بالذكر أن القمح الأردني مشهور بجودته وكبر حبته، وهو من الأنواع المحسنة للزراعة».حين قرأت الخبر، شعرت بالخيبة التي وصلنا إليها في كافة المجالات، لكن اعتقد أن أسوأ ما فعلناه بأنفسنا هو أننا هجرنا أرضنا، وأصبحنا عالة على غيرنا، وخاصة حين ندقق بما نعانيه اليوم من امتداد للفقر وانتشار للبطالة، مع أن عودتنا للأرض كفيلة بحل هاتين المشكلتين ( دعك بما تحققه من استقلال للقرار السياسي والاعتماد على النفس وترسيخ الكرامة الوطنية ..الخ)، كما أنها كفيلة بإقناع شبابنا بالانتماء لبلدهم واستيعاب طاقاتهم بدل تبديدها في الفراغ او التطرف او غيرهما من الآفات التي لا يسعدنا أن يقع فيها أبناؤنا.
ليس صحيحا أن الشباب في بلادنا تقتلهم ثقافة العيب، وان العمالة الوافدة التي نعرف أين تعمل وأي المهن تقبل هي-وحدها- التي تسرق فرص العمل منهم، لكن الصحيح هو أننا نتعمد إقفال أبواب العمل والانتاج في وجه شبابنا حين نتركهم ضحايا لأرباب العمل والحد الأدنى من الأجور وغياب الأمن الوظيفي واستبداد رأس المال، او حين نصر على إيداعهم في سجن الوظيفة (حفاظا على منزلتهم الاجتماعية!!) بما نقترفه من محسوبيات وواسطات يظفر بها- في العادة- الأقربون وتترك الآخرين نهبا للاماني وانتظار الدور والبحث عن واسطة اكبر تضعهم مع أقرانهم المحظوظين في مكتب واحد.
ومن أسف ان عمان وبعض المدن الكبرى تستحوذ على اهتمام شبابنا وهجرتهم، ففي بلد كالشوبك يزيد عدد المتسربين منها سنويا الى المدن عن خمسمئة شخص بمعدل مواطن ونصف كل يوم، مع أننا نعرف ان الذين احتازوا على مزارع التفاح هم من خارج المنطقة، وان الأراضي هناك تصلح لزراعة شتى أنواع الحبوب والاشجار المثمرة حتى ان انتاج شجرة الفستق الحلبي الواحدة يصل لـ(12كغم)، وهذه ثروة-بالطبع-لكن الشباب لا يجدون من يشجعهم على الزراعة، لا برؤوس الأموال والقروض ولا بتوفير المياه التي شحت بعد ان سحبت من البلد الى إحدى المحافظات المجاورة، ولا من حيث التسويق.. ولو اتجهت الحكومة او الجهات المستثمرة المحظوظة بالتسهيلات الى هذه المنطقة او غيرها من أراضي الجنوب الواسعة لتحول بلدنا، الزراعي أصلا، إلى سلة غذاء للمنطقة كلها (ألم يكن سهل حوران بإربد يزود روما بالقمح وسمي أهراءات روما).
قلت أكثر من مرة إن الزراعة في بلد فقير كبلدنا هي بوابة الحلول لمشكلات اقتصادنا، وهي المخرج الوحيد للضائقة المعيشية التي يشكو منها مواطننا، وهي أيضا الأولى والاهم لاعتمادنا على الذات، ويا ليت ان مشروعا وطنيا لزراعة القمح- مثلا- يجد منا التشجيع الذي نقدمه للمستثمر الأجنبي الذي لا يرى في بلدنا إلا مولا تجاريا او برجا ضخما، ويا ليت ان دعم المشروعات الصغيرة التي نسمع عنها تصب جهودها في استصلاح الأراضي الزراعية، ودعم المزارعين الصغار، حتى يأتي علينا وقت نستغني عن استيراد غذائنا (تصور اننا نستورد الثوم من الصين، الجزر من تركيا، والبصل من مصر، والليمون من جنوب أفريقيا، والتفاح من أمريكا...) ويتحول شبابنا الى مزارعين فخورين بمهنتهم، وحريصين على أرضهم التي تفيض فعلا بالسمن والعسل، وتغني من يلتزم بها ويرعاها عن همّ البطالة ومذلة السؤال ولا جدوى الوظيفة برواتبها الهزيلة.

إرسال تعليق

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020