recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

العامل ضحية للتنمر .. وقانون العمل لا يسعفه

العامل ضحية التنمر .. وقانون العمل لا يسعفه



الراصد النقابي لعمال الأردن "رنان" -  حاتم قطيش

لا شك أن العلاقة بين أصحاب العمل والعمال يجب أن تكون مبنية على أساس الاحترام والمنفعة المتبادلة بين الطرفين فكما أن العامل بحاجة أموال صاحب العمل فإن صاحب العمل لن ينجح مشروعه ولن يحقق أرباحاً الا بجهد هذا العامل فلا أفضلية لأحد على الآخر، وبمفهوم الشراكة هذا يتعامل العالم المتحضر ويرسم ملامح العلاقة بين العامل وصاحب العمل على اعتبار أنهم شركاء وأطراف الانتاج.

قصور التشريعات سبب في تنامي ظاهرة التنمر

الممارسة الفعلية لصاحب العمل خلاف ما ذكر آنفاً فالعديد من أصحاب العمل يتعاملون مع العمال على أساس العبودية فلا أعلم من أدخل في أدمغة هؤلاء أن المال الذي يدفعه للعامل هو بدل استرقاق واستعباد وأن العامل خلال ساعات العمل هو بمثابة عبد مملوك ويحق لصاحب العمل ممارسة التنمر بحقه كتعنيفه ومعاقبته ونقله من مكان عمله وربما فصله عن العمل بمجرد أن يبدي العامل وجهة نظر مخالفة لصاحب العمل أو يتجرأ ويطالب بحق من حقوقه التي كفلها له القانون كما يمكن أن يكون التنمر بالتعسف في استخدام القوانين والأنظمة والتعليمات.
ولعل التشريعات التي تنظم علاقة العامل بصاحب العمل –بمعظمها- تأتي منحازة لصاحب العمل مما يترك له مساحة أكبر وحرية أكثر لممارسة تنمره على العامل وصبغ هذا التنمر بصبغة قانونية محكمة يجد العامل فيها نفسه مكبلاً ومقيداً بقيود القانون وصاحب العمل يوجه له "اللكمات" التنمرية بحرية واطمئنان من الملاحقة القانونية.
فإذا انزعج صاحب العمل من عامل معين وأراد عدم رؤيته في موقع العمل ونفيه الى موقع آخر بحيث يقتل ابداعه ويعطل طاقته فما عليه الا أن يوجه له كتاباً موسوماً بعبارة " بناءً على مقتضيات مصلحة العمل قررت .." ثم يتبع هذه العبارة بأي "فرمان" من شأنه اطلاق رصاصة الرحمة على ابداع هذا العامل، حيث ان معظم أصحاب العمل يتحاورون مع عمالهم ليس بلغة المنطق والحجة والبرهان بل بلغة النفوذ والسطوة وقوة الكرسي الذي يجلسون عليه ممارسين أبشع صور التنمر في مصادرة العامل حقه في ابداء حتى رأيه والحوار بطريقة حضارية .

النقابات العمالية وممثلو العمال ليسوا بمنأى عن التنمر

يتم ممارسة التنمر على شكل المضايقات التي يرتكبها المسيء الذي يمتلك قوة بدنية أو اجتماعية وهيمنة أكثر من الضحية، ويفترض ب النقابات العمالية أن تكون الحصن الذي يلتجئ اليه العامل اذا ما تعرض لتنمر أو انتهاك لحقوقه او حرماناً من امتيازاته ولكن من المؤسف والمحزن أن التنمر قد طال النقابات العمالية أيضاً وما تعديلات قانون العمل الأخيرة والتي تمت عام 2019 الا مثالاً صارخاً على التعدي على الحريات النقابية من خلال حرمانهم من اقرار أنظمتهم الداخلية بدون تدخل ووصاية وزارة العمل حيث اشترطت التعديلات اقرار الوزارة لأي تعديل تقره الهيئات العامة للنقابات على أنظمتها الداخلية!!!، بل تعدى الأمر الى توسيع وصاية الوزير على النقابات العمالية فتم سحب صلاحية حل الهيئات الادارية للنقابات من القضاء بناءاً على شكوى من الوزير، فأصبح الوزير غير مضطراً للجوء الى القضاء لحل هذه الهيئات الادارية بل ان الأمر كله بيده ان اراد هو وقدّر أن هذه النقابات قد تخرج من بيت الطاعة وترفع صوتها عالياً مطالبة بحقوق عمالها وحمايتهم من سطوة أصحاب العمل فقانون العمل منحه حق حل هذه الهيئات الادارية وبقرار فردي منه بل ومعاقبتهم بالغرامة والسجن اذا ما هم مارسوا اي عمل نقابي بعد الحل!!!!

ان الخطوة الأولى نحو تحرر العمال من سطوة صاحب العمل والتخلص من ظاهرة التنمر بحقهم هي سن تشريعات تلجم صاحب العمل المتنمر وتمنح العامل مزيداً من الحريات تتمثل في حرية التنظيم النقابي والحق في المفاوضة الجماعية والنزاعات العمالية وممارسة دوره النقابي دون التعرض للتنمر والعنف النفوذي، ولكن يبدو أننا ومع تعديلات قانون العمل نتجه بالاتجاه المعاكس لهذه الخطوة ونزيد رقعة الفتق وأخشى أن تتسع فلا تقبل قطباً ولا رتقاً.

التنمر وقوة العمال 

ان البيئة الخصبة ليمارس المتنمر تنمره هو وجود ضحايا ضعفاء يمارس عليهم تنمره اللفظي أو الجسدي أو العاطفي .. الخ ، وان اللبنة الأساسية في مواجهة التنمر هي تأهيل الضحية للدفاع عن نفسه ورفض التنمر بكل أشكاله.
من هنا تبرز الأهمية الكبيرة لما يطلق عليه قوة العمال من خلال بناء القوة المتينة للتنظيم النقابي الحر وتأهيل العمال بحقوقهم وأهمية النضال في سبيل القضايا العمالية وعلى رأسها ارساء تشريعات راسخة تحفظ الحقوق وتوقف الانتهاكات وتخلق بيئة عمل آمنة جاذبة للعمل وليست طاردة له؛ ويجب أن يقتنع العمال أن عليهم بناء قوتهم الذاتية لحماية أنفسهم فلن يتبرع أحد بمنحهم حقوقهم أو الانتهاكات بحقهم ان هم لم يرفعوا صوتهم وينتزعوا هذه الحقوق انتزاعاً لا تفضلاً وتكرماً.
ان صاحب العمل المتنمر لن يتوقف عن تنمره بمجرد دراسة هنا أو خبر في جريدة هناك أو حتى توصية لمنظمات دولية وحقوقية ومؤسسات مجتمع مدني؛ لن يوقف هذا المتنمر سوى قانون عمل عصري يعزز قوة العمال المتمثلة بقوة نقاباتهم من خلال التنظيم المتين والتضامن العمالي وأنظمة داخلية تمكنهم من انتخاب قيادات ذات كفاءة.

العنف والتحرش في عالم العمل كأحد أشكال التنمر

ولعل من أبرز أشكال التنمر على العمال في بيئة العمل هو ما يتعلق بالعنف والتحرش في عالم العمل، وبالرغم من أن العالم قد تنبه  الى هذه الاشكالية الكبيرة التي يعاني منها العمال عموماً والمرأة بشكل خاص فأبرم تشريعات خاصة لمكافحة هذه الممارسة من خلال ما يعرف ما يعرف باتفاقية العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل  ، وكذلك التوصية رقم 206 بشأن القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل ؛ الا ان التشريعات الوطنية الناظمة لعالم العمل وعلى رأسها قانون العمل الأردني  لا يزال متأخراً بهذا الجانب ولا يزال النواب يبذلون ساعات النقاش الطويلة في معرفة الفرق بين الاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي، متناسين القاعدة الفقهية " لا مشاحة في الاصطلاح "؛ بمعنى أن النقاش يجب أن يكون في انتاج مواد في القانون ويتبعها أنظمة وتعليمات تحمي العامل والعاملة في عالم العمل وتضع أصحاب العمل والحكومة أمام مسؤولياتهم في مكافحة العنف والتحرش في عالم العمل، فإن تحقق ذلك فلا نتوقف على انتقاء المصطلحات التي ستعبر عن هذه التشريعات.

حوار اجتماعي ينتج قانون عمل عصري

الحل يكمن في التوقف عن التعامل مع تعديلات قانون العمل بنظام القطعة والفزعة والاقتناع أن مهما كانت القطعة التي نريد أن نرقع بها الثوب جميلة ومبهرة الا انها سيبقى اسمها رقعة ولن تفلح بنزع صفة القبح عن الثوب المهترئ الممزق، اننا اليوم أحوج ما نكون الى حوار اجتماعي حقيقي يهدف الى اعادة صياغة قانون عمل عصري يليق بالعامل ويتوافق مع التطورات المتسارعة في سوق العمل وأشكال العمل الجديدة ويصلح لتمهيد انتقال آمن للعمال نحو مستقبل العمل.
نحن بحاجة لقانون عمل يعيد حالة التوازن بين طرفي الانتاج ( العامل وصاحب العمل ) ويتخذ من حقوق الانسان واتفاقيات العمل الدولية مرجعاً له في منح الحقوق الأساسية كحد أدنى وتكريس شروط العمل اللائق ومكافحة العمل الجبري وينهي التمييز في الأجور ويؤسس لعالم عمل -بمفهومه الواسع- خالٍ من العنف والتحرش والتنمر.

اقرأ أيضاً:


إرسال تعليق

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020