recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

عمال فلسطين قبل النكبة .. د.محمد الزعبي


العمال ثم العمال ثم العمال ! 
قادني البحث عن تطور قوانين إصابات العمل بفلسطين والأردن إلى الإطلاع على أهمية دور الحركة العمالية والعمال والصراعات السائدة في فلسطين قبل النكبة.

.......
تطورت أوروبا وسبقت العالم بفضل الطبقة العاملة وعلى حساب العمال واستغلالهم. وكذلك فعلت اليابان. وكذلك تمكن الاتحاد السوفياتي من اللحاق بأوروبا واليابان بفضلهم أيضا، وتمكنت الولايات المتحدة من التقدم على الجميع بفضل باب هجرة العمال لها. وهذا ما تفعله الصين وفيتنام والهند حاليا، وهذا ما حاول فعله محمد علي سابقا في مصر.
يقوم وجود العمال أساسا على وجود الصناعة وعلى نشاط المستثمرين .. لكن تقدم المجتمع يرتبط بنمو الطبقة العاملة ونشاطها المنتج ... وتمكن العمال لاحقا من انتزاع حقوقهم العمالية بالأجور وساعات العمل .. وتحديدا على تمكنهم من إقامة نقاباتهم العمالية القوية. وأي ملاحظ لفروقات الحد الأدنى من الأجور والتأمينات الاجتماعية في الدول المتقدمة والقوية مقارنة بالدول المتخلفة والضعيفة يستطيع تلمس هذه الحقيقة.
.....
فهم الصهاينة هذه الحقيقة، لذلك كان همهم الأول هو اقناع العمال اليهود بالهجرة لفلسطين ( حتى لو حملوا أفكارا اشتراكية) مستخدمين كافة أساليب الترغيب والترهيب. وكان أول ما فعله الصهاينة في فلسطين أيام الانتداب الأولى هو السماح بانشاء منظمة عمالية (الهستدروت) التي أصبحت تعد من أقوى المنظمات العمالية في العالم. عمل الهستدروت على ضمان أن يحصل العمال اليهود على أجور مرتفعة ( حتى عند أصحاب العمل الصهاينة) وعملوا على تطبيق التأمين الصحي وبعض التأمينات الاجتماعية الأخرى لجميع العمال اليهود إضافة للمكاسب العمالية الأخرى، والتي لعبت الدور الأساسي في قيام الدولة الصهيونية واستمرارها : اقتصاديا واجتماعيا ( وحتى عسكريا)... لكنها حرمت العمال العرب من الانضمام للهستدروت كما وضعت العديد من العراقيل أمام انشاء منظمات عمالية عربية مستقلة.

.....

ساهم الانتداب البريطاني بشكل كبير جدا في هذا التمييز، فقد سمح بتوسع وتقوية الحركة العمالية الصهيونية ومنحها امتيازات لم يحصل عليها العمال حتى في بريطانيا، بل وسمح بتنظيم شبه عسكري للمنظمات العمالية الصهيونية ، ومن جهة أخرى فقد عرقل كل نشاط لتقوية الحركة العمالية العربية بما فيها عدم السماح لا بقانونية انشاء بعض النقابات ، ولا حتى باشتراك العمال الفلسطينيين في الهستدروت والنقابات اليهودية. وعمل في نفس الوقت على محاربة الشيوعيين اليهود داخل الحركة العمالية اليهودية بما فيها ترحيل عشرات اليهود الشيوعيين من فلسطين بأوامر من سلطة الانتداب (مخالفة بذلك سياستها المعتمدة والرسمية بتشجيع هجرة اليهود وبقائهم في فلسطين). كما قام الانتداب بتشجيع الشخصيات الفلسطينية الرجعية على محاربة الشيوعية بل ومحاربة الحركة العمالية في صفوف الفلسطينيين والعمال العرب العاملين فيها. 

أدت سياسة الانتداب البريطاني إلى العديد من الاصطدامات (الدامية أحيانا) بين اليهود الصهاينة واليهود الشيوعيين اللذين كانوا أقوياء في تلك الفترة ، وبين العمال الصهاينة والعمال العرب ، وبين الرجعية العربية والقادة النقابيين العرب .. وصلت هذه الاصطدامات ذروتها في اغتيال المناضل العمالي البارز سامي طه.
......
أدى ذلك إلى وجود تمييز كبير جدا بين أجر العامل اليهودي والعامل العربي الفلسطيني. وحرمانهم من أبسط حقوقهم حتى في الأحازات المرضية ناهيك عن غياب كامل لأي نوع من التأمينات الاجتماعية . كما كان الجزء الأكبر من نضالات الفلسطينيين يقع من جانب العمال الفلسطينيين، وهو جزء مغيب من التاريخ الرسمي للصراع في فلسطين الانتداب، وقد لعب هذا الضعف دورا رئيسيا في حصول النكبة.
كان الصراع يدور في فلسطين حول تشكيل طبقة عاملة يهودية قوية ومنع تشكيل طبقة عاملة فلسطينية. لكن عمال فلسطين تمكنوا من خرق الحصار الثلاثي عليهم (من الصهاينة ومن سلطة الانتداب ومن الاقطاعيين الفلسطينيين) ... وهذا يفسر جزئيا تزايد تأثير الشيوعيين العرب في تلك الفترة... ويفسر أيضا نجاح اللاجئين الفلسطينيين فيما بعد، من دفع عملية التنمية في البلدان العربية التي لجأوا اليها أو في بلدان الخليج حيث كانوا جزءا رئيسيا من تقدمه.
....
أما في الدول العربية فقد ارتبطت آمالها أيضا بخلق طبقة عاملة قوية تمكن العمال من النهوض بالمجتمعات العربية، لكن قوى الشد العكسي حطمت أي عمل نقابي منظم .. وساعدها في ذلك وجود أموال النفط وغيرها من مصادر الريع الأخرى. كما ساهمت حتى ما يسمى بالأنظمة التقدمية في وقتها من منع قيام حركة عمالية مستقلة.
.....
بقي أن أذكر ملاحظتين من ملاحظات عديدة :
1- أن حصول العمال على مكاسبهم الضخمة في الدول المتقدمة والقوية قد جاء جزئيا على حساب مزيد من استغلال العمال في الدول المتخلفة مما خلق فجوة واضحة وكبيرة بين الشمال والجنوب.
2- أن وضع العمال اليهود في "ارتز اسرائيل" قد تغير بعد استخدامهم كرأس حربة في المشروع الصهيوني... وقد جاء ذلك أيضا على حساب مزيد من استغلال العمال العرب الفلسطينيين .. وعلى قدرة الكيان الصهيوني على الاستمرار بمنح العمال اليهود المزايا التي يتمتعون بها بفضل الدعم اللامتناهي من جانب الامبريالية.

إرسال تعليق

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020