recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

لا تستعجلوا بتفتيت وزارة العمل

لا تستعجلوا بتفتيت وزارة العمل


د. يوسف منصور
17/8/2022

اقترحت الحكومة مؤخرا حل وزارة العمل وتوزيع مهامها على الوزارات المختلفة معتمدة في هذا التوجه مبدأ تعزيز الكفاءة وتقليل التكاليف. ورغم ذلك فلقد قوبل الاقتراح برد فعل سلبي جارف من عامة الناس ومن قبل المحللين على حد سواء.

وجدت وزارات العمل عالميا منذ أكثر من 100 عام، أي قبل تأسيس الأردن الحديث. وكان الشكل الأول لوزارات العمل عبارة عن مراكز إحصائية وبحثية تزود صانعي السياسات ببيانات عن سوق العمل والوضع الاجتماعي لدعم وضع تشريعات العمل والتشريعات ذات الصلة اجتماعياً. ومن الأمثلة على ذلك اللجنة الألمانية لإحصاءات العمل (تأسست عام 1882)، والمكتب الإحصائي البريطاني (1887)، والمكتب الفرنسي (1891)، من بين آخرين. ومع ذلك، بحلول عام 1910، كان لدى 22 دولة أوروبية مثل هذه الكيانات التي أصبحت فيما بعد وزارات.

أدت الأزمات وتبعات الكساد الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والصراع الاجتماعي إلى ترقية إدارات العمل إلى وزارات عمل، بحيث أصبح لدى 23 دولة وزارات عمل بحلول عام 1938. ، يوجد حاليا وزارات عمل في معظم بلدان العالم. ورغم أن إدارة العمل يشارك فيها وزارات ودوائر حكومية أخرى، غير أن وزارات العمل تلعب دورًا محوريًا في إدارة العمل من حيث التأثير على الحوكمة في مكان العمل، وأسواق العمل المختلفة، وسوق العمل الوطني. حيث يتأرجح دور الوزارة بين القيادة والتنسيق الى مجرد المتابعة والمشاركة حسب الأهداف التنموية للبلد وقوة وزارة العمل فيها.

بناء على ما سبق، هل يستدعي معدل البطالة في الأردن حل وزارة العمل وتشتت مهامها بين وزارات التربية والصناعة والداخلية وغيرها؟ يعتبر معدل البطالة في الأردن (23.2 في المائة) المعدل الأعلى منذ أكثر من ثلاثة عقود، كما تبلغ نسبة البطالة بين النساء 30.8 في المائة، ومشاركة المرأة في سوق العمل (14 في المائة) مما يضع الأردن في المرتبة 179 من أصل 181 دولة، متقدما فقط على دولتين تعانيان من اضطرابات سياسية (العراق واليمن). علاوة على ذلك، تبلغ نسبة البطالة بين الشباب 49 في المائة، أي أن شابًا من كل اثنين متعطل عن العمل. لذا، وبناءً على بيانات العمل الحالية، وهي كارثية حسب أي معيار، يجب تعزيز دور وزارة العمل كجهة واضعة لسياسة العمل، وليس تقليصها أو تفتيتها.

وماذا عن أداء وزارة العمل؟ هل يمكن للمرء، بناءً على البيانات المتوفرة، التأكيد على أن الوزارة لا تعمل بشكل جيد لذا لا ضرر من التخلص منها؟ الجواب لا! حيث يتأثر وضع العمل في الأردن، كما في أي مكان آخر في العالم، بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولقد أكدت الحكومة مرارًا وتكرارًا أن الاقتصاد قد تأثر سلبًا بالاضطرابات الإقليمية. إذا كان هذا القول صحيحا، فإن وزارة العمل، مثلها كغيرها من الوزارات، لا تلام على سوء أو تراجع الأداء. علاوة على ذلك، هناك عوامل أخرى تساهم في خلق البطالة رغم دور وزارة العمل مثل رفع أسعار الطاقة أو زيادة الضرائب، وهي جميعها متغيرات تؤثر سلبيا في سوق العمل مما ينفي حجة الأداء أو قياسه كذريعة لتمزيق الوزارة.

ماذا لو أدى تفكك الوظائف ودمجها في الوزارات الأخرى إلى مزيد من الفعالية والكفاءة وهو أحد المسببات للتوجه الحالي؟ بعد التفتيت لا بد من التنسيق على شكل عال لكي تنجم الكفاءة. ولكن بالنظر إلى أنه، حسب الدستور الأردني، تعمل كل وزارة بشكل عامودي وبطريقة مستقلة عن الوزارات الأخرى، لم يُعرف عن هذه الوزارات بشكل عام حسن التنسيق. بل إنها تعمل غالبا بمقولة "أنا أهتم بدكانتي وأنت اهتم بدكانك". وعليه، فإن من غير المرجح أن تحدث زيادة في الكفاءة والفعالية بعد توزيع مهام الوزارة بين الوزارات المختلفة. بل قد تحدث حالات من تراجع الكفاءة لأن عمليات الدمج عادة ما تتجاهل الاختلافات في ثقافة العمل بين مؤسسة وأخرى. وقدرت شركة ماكينزي للاستشارات أن هذا التجاهل لثقافات العمل يؤدي عادة إلى انخفاض كفاءة الأداء بنسبة 14 في المائة. بالإضافة إلى ذلك، فإن جداول الرواتب المختلفة التي تطبقها المؤسسات المدمجة ستلحق الفوضى بإدارات الموارد البشرية في الوزارات.
دعونا لا نتسرع في تفتيت أي وزارة قبل الدراسة والتحليل الدقيقين. الأردن ليس فريدًا في العالم. يجب استخدام تجارب وأبحاث البلدان الأخرى لتجنب الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها، ولنتذكر أن الأردن ليس أول من اخترع العجلة.

إرسال تعليق

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020