18/1/2026
تُعدّ منظومة الضمان الاجتماعي في الأردن العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية، وركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لما توفره من حماية للأفراد والأسر من مخاطر الشيخوخة والعجز والوفاة والتعطل عن العمل وإصابات العمل والأمومة وغيرها.
ولا تقتصر أهمية هذه المنظومة على بعدها الاجتماعي فحسب، بل تمتد لتشمل دورها في تعزيز العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي، والحد من الفقر والهشاشة، ودعم الاستقرار على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، أعادت نتائج الدراسة الإكتوارية الحادية عشرة التي أعلنت نتائجها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تسليط الضوء على واقع استدامة النظام التأميني، مؤكدةً أن الوضع المالي ما يزال آمناً على المدى المتوسط، مع الإشارة إلى تحديات هيكلية مستقبلية تستدعي تدخلات تشريعية وسياساتية مدروسة للحفاظ على استدامة النظام وتأخير نقاط التعادل.
ورغم أن هذه النتائج قد تثير مخاوف مشروعة لدى شرائح واسعة من المجتمع، إلا أنها في جوهرها تأكيد علمي لمسار من الاختلالات البنيوية التي جرى التحذير منها منذ سنوات، وفي مقدمتها اتساع فجوة الشمول التأميني، وتقادم منهجية تحديد سنوات التقاعد، والتوسع في التقاعد المبكر، وضعف حوكمة واستقلالية المؤسسية.
انطلاقاً من ذلك، تأتي هذه المقالة الأولى في سلسلة مقالات متسلسلة سيتم نشرها في هذه الزاوية، تهدف إلى المساهمة في النقاش الوطني المفتوح حول اتجاهات تعديل قانون الضمان الاجتماعي، بالاستناد إلى مبادئ حقوق الإنسان، ومعايير العمل اللائق، والممارسات الفضلى عالمياً.
في البداية يجدر التأكيد على أن منظومة الضمان الاجتماعي في الأردن تعد من أفضل المنظومات في المنطقة العربية، لكن الحفاظ على تميّزها واستدامتها يقتضي إصلاحات استباقية وشاملة، كي لا نجد أنفسنا مضطرين إلى تعديلات متكررة ومجزأة تُضعف الثقة العامة وتحمّل المؤمن عليهم كلفة اختلالات لم يتسببوا بها.
يعد توسيع الشمول التأميني مدخلا مركزيا لإصلاح المنظومة وتعزيز استدامتها، والمؤشرات الرسمية تفيد أن ما يقارب 50 بالمائة من مجمل العاملين في الأردن ما تزال خارج مظلة الضمان الاجتماعي.
تعكس هذه الأرقام فجوة شمول تأميني واسعة، تعبّر عن اختلال جوهري بين تصميم منظومة الضمان الاجتماعي القائمة، وعدم استجابته للتحولات العميقة والمتسارعة في سوق العمل، حيث تتوسع أنماط واشكال العمل الجديدة والعمل عبر المنصات الرقمية والعمل عن بُعد والمهن والأعمال الحرة، وهي أشكال لا تقوم في الغالب على علاقة عمل تقليدية واضحة بين عامل وصاحب عمل، أو يعمل لصالح نفسه في منشأة أعمال مسجلة رسميا. وبالتالي يصعب شمولهم وفق قواعد المنظومة القائمة.
إن استمرار هذه الفجوة يتعارض مع الحق في الضمان الاجتماعي كجزء من منظومة حقوق الانسان والعمل اللائق، ويُضعف وظيفة الضمان كأداة وقائية ضد الفقر والهشاشة واللامساواة الاجتماعية. ويؤدي الى بقاء شرائح واسعة مرشحة للتحول مستقبلا إلى مستفيدين من برامج الدعم المباشر التي تتحملها الخزينة العامة مباشرة، وخاصة من خلال صندوق المعونة الوطنية. أما من المنظور المالي والإكتواري، فيُترجم ذلك إلى خسارة عن طريق فقدان إيرادات تأمينية محتملة، وإضعاف استدامة منظومة الضمان الاجتماعي.
وعليه، فإن توسيع قاعدة المشتركين المشمولين في إطار الضمان الاجتماعي يُعد عاملاً حاسماً لتعزيز الاستدامة المالية وتأخير الوصول إلى نقاط التعادل، وهذا يتطلب أولا تصميم أدوات تأمينية مدعومة من قبل خزينة الدولة لتصبح أكثر مرونة وعدالة وقابلية للتحمّل من قبل العاملين، وتتلاءم مع أنماط العمل الجديدة التي لا تتوافق مع نموذج المؤسسة القائم، ومكافحة فعالة للتهرب التأميني في منشآت الأعمال المرخصة.
(الغد)

Post a Comment