recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

سائقو التكاسي والتطبيقات .. عمل غير منظم و بلا حماية اجتماعية

سائقو التكاسي والتطبيقات .. عمل غير منظم و بلا حماية اجتماعية



حاتم قطيش - رنان
18/1/2026

يروى أنه في إحدى الليالي الحالكة السواد، كان عجوزاً يبحث عن شيء ما تحت عمود إنارة وحيد في وسط شارع مظلم. مر به شاب فضولي، فسأله: "عن ماذا تبحث يا عم؟" ، أجاب العجوز بصوت متعب: "أبحث عن مفتاحي، لقد ضاع مني."
سأله الشاب وهل أنت متأكد أنه قد ضاع منك في هذا المكان بالتحديد، ابتسم العجوز ابتسامة حزينة وقال: " لقد ضاع في مكان آخر بعيد ولكنه معتم، وأنا أبحث هنا لأن المكان منير".

في هذه القصة  القصيرة عبرة لمن يعتبر، الخطوة الأولى لايجادك حلولاً لمشاكلك هو أن تتأكد أنك تبحث عن الحل في المكان الصحيح، ولن يشفع لك جهدك ومحاولاتك المتكررة ان كنت في المكان الخطأ، ولعل الباحثين عن حلولاً عملية وواقعية لتحديات سوق العمل الأردني والضمان الاجتماعي على وجه الخصوص، ويحاولون ابتكار حلولاً تبعد عنا شبح نقطة التعادل أو نقطة التلاشي؛ أقول ان كانت جميع الحوارات والأفكار المقترحة تنحصر في مربع " تخفيض الحمايات " فإننا سنبقى نعمل في المكان الخطأ ولا بد من التوقف حالاً والعودة الى المكان الذي يجب أن نعمل ونجتهد فيه وهو زيادة الشمول وتوسيع مظلة الحمايات الاجتماعية.


عاملين في قطاع غير منظم وبلا شروط عمل لائق


آلاف سيارات التكاسي تجوب شوارع المملكة وأضعافها آلاف السيارات الخاصة التي تعمل في التوصيل من خلال التطبيقات الخاصة سواء توصيل الأشخاص أو توصيل الطرود والطعام فيما يعرف بعمال المنصات، كل هؤلاء العاملين هم للأسف يسبحون في فلك العمل غير المنظم بمعنى أنهم خارج غطاء حماية قانون العمل لهم وأيضاً هم خارج نطاق الحماية الاجتماعية بمعنى أنهم ليسوا منتسبين للضمان الاجتماعي.
ما يميز هذا القطاع -سلباً- أن العاملين به يعملون يوماً بيوم؛ بمعنى أن السائق اذا خرج للعمل في هذا اليوم فسوف يتمكن -وبصعوبة بالغة- من تأمين لقيمات يقمن صلبه وعائلته، واذا ما تعذر خروجه للعمل في هذا اليوم سواء بسبب وعكة صحية له أو لأحد أفراد عائلته أو ظرف قاهر أو حتى ظرف جوي أو بسبب حادث سير منعه من استمرار عمله، فإن أجر هذا اليوم سيكون صفراً ولن يتمكن من تأمين احتياجات بيته أو حتى تأمين مصاريف علاجه بل ولن يتمكن من تأمين مبلغ ضمان التكسي لذلك اليوم.
ان كل يوم يتعطل به هذا السائق يسبب فجوة في الدخل يتطلب منه مضاعفة جهده في الأيام التالية لتعويض ما نقص عليه من أساسيات الحياة ومبالغ الضمان لصاحب التكسي أو قسط السيارة لسائقة التطبيقات؛ الأمر الذي يعني عملاً طويلاً بلا استراحة وربما لساعات متأخرة من الليل في ظروف عمل بعيدة كل البعد عن شروط العمل اللائق.
ولنا في جائحة كورونا المثل الحي على ما عاناه هذا القطاع - وغيره - من غياب الحمايات الاجتماعية حيث تحول آلاف العاملين في هذا القطاع بيوم وليلة الى طوابير من المعطلين المصطفين على قوائم مستحقي المعونة الوطنية، مما أوجب اعادة النظر الفورية بضرورة تنظيم هذا القطاع .. واليوم وبعد خمس سنوات من الجائحة عدنا أدراجنا نعمل بنفس الظروف وبلا أي بادرة لتنظيم هذا القطاع وحماية العاملين به.

في الانتساب للضمان الاجتماعي فائدة للعاملين .. وللضمان أيضاً


لا شك أن الحاجة الأساسية لتنظيم هذا القطاع هو توسيع مظلة الحمايات الاجتماعية للعاملين به والاتعاظ من الدروس القاسية ابان جائحة كورونا؛ لكي لا تلجأ الحكومة مرة أخرى الى التصرف بأموال مشتركي الضمان الاجتماعي وبدون اذنهم للقيام بواجبها تجاه هؤلاء العاملين.
ومن ناحية أخرى وفي خضم الجدل الدائر حول هشاشة الموقف المالي للضمان الاجتماعي الذي كشفت عنه الدراسة الاكتوارية الأخيرة وعدم استدامته واقتراب شبح نقطة التعادل خلال السنوات القليلة القادمة ان بقينا نسير على نفس النهج ونقوم بنفس الاجراءات في كل مرة ثم نتوقع نتائج مختلفة!!، لا بد من التفكير والبحث في المكان الصحيح لايجاد حلولاً عملية تحافظ على الحماية وتحقق الاستدامة.
الهدف الأساسي لوجود الضمان الاجتماعي هو ايجاد حمايات اجتماعية للعاملين، وهذا يعني أن الوضع الطبيعي لهذه المؤسسة هي الانفاق على هذه الحمايات بل وتوسيعها، ومن البديهي أن هذا الانفاق -الواجب- يتطلب من المؤسسة العمل الدؤوب لتأمين موارد للصندوق تؤمن مبالغ هذه الانفاقات بل ويجب أن تفيض عنها لتأمين الاستدامة، وفي كل مرة يقترب شبح تعادل واردات الصندوق مع الانفاق يجب أن تتركز الأنظار الى الوظيفة الأساسية للمؤسسة وهي زيادة الموارد من خلال توسيع الشمول وأيضاً تقليل المصاريف الادارية دون الحمائية، أما أن يتم في كل مرة اقتراح تقليل الانفاق على الحمايات الاجتماعية فأظنه خروجاً سافراً عن المقصد الأساسي للمؤسسة وتقاعس عن العمل لتأمين موارد اضافية مما يعني وجوب النظر في النهج الاداري للمؤسسة وربما البناء الاداري أيضاً.

أشكال مستحدثة لمستقبل العمل .. بلا انتقال آمن


لطالما تحدث الخبراء عن مستقبل العمل وما سينعكس عليه من ادخال التكنولوجيا الى سوق العمل حيث سيتم استحداث أشكال عمل جديدة وستختفي بالضرورة أشكال عمل تقليدية، ولطالما تحدث هؤلاء الخبراء عن ضرورة الانتقال الآمن للعاملين الى أشكال العمل الجديدة بما يؤمن لهم شروط عمل لائق بما في ذلك الأمان الوظيفي والحماية الاجتماعية.

ان العمل على التطبيقات الذكية بهدف التوصيل سواء توصيل الأشخاص أو الطرود والبضائع والطعام؛ هو شكل من أشكال العمل المستحدثة في السنوات القليلة الماضية، ولذلك أسباب عديدة منها تدني الأجور وابتداع التقاعد المبكر القسري من قبل الحكومة تحت مسمى الترشيق الحكومي، ان أشكال العمل هذه فرضتها علينا التكنولوجيا وبالرغم من أن العديد من المنظمات الدولية مهدت لهذا الأمر منذ سنوات الا أننا في الأردن -كما العادة- تفاجأنا بدخول هذه الأشكال الجديدة ولم نكن جاهزين لها اطلاقاً.
اليوم وبعد مرور عدة سنوات على دخول هذه الأشكال الجديدة وبعد انتهاء ارتباك الصدمة الأولى -يفترض ذلك- من المؤسف أننا لا زلنا نراوح مكاننا ولا زالت هذه الأشكال الجديدة تتضاعف وتنمو وتتطور ولكن خارج رحم العمل المنظم ليبقى العاملين خارج نطاق قانون العمل حيث لم يتم تصنيفهم كعمال أو كأصحاب عمل بل تحت مظلة  " العامين مع أنفسهم" في مصطلح لا يضيف شيء سوى أنه يريح ضمائر المتقاعسين عن تنظيمهم، ولا يزال هؤلاء العاملون أيضاً خارج مظلة الحماية الاجتماعية نظراً لارتفاع الاشتراك الاختياري في الضمان الاجتماعي!!


جمود النقابات العمالية ساهم في مضاعفة المعاناة



عندما يتم الحديث عن الانتقال الآمن لمستقبل العمل وضرورة تحمل كافة الجهات مسؤولياتها في ذلك؛ فإن من الجهات الأساسية المقصودة في هذه العبارة هي النقابات العمالية.
يجب اعادة النظر ببقاء فضاء النقابات العمالية مغلقاً ومحصوراً في سبعة عشر نقابة عمالية لم تزدد واحدة منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً بل انه قد تم اجهاض محاولات تشكيل نقابات عمالية مستقلة بقوة قانون العمل الذي لايتفاعل ولا يتعامل مع أي تجمع نقابي أو كيان عمالي سوى السبعة عشر نقابة حصراً!!
ويجب اتاحة المجال لتجديد الدماء النقابية في النقابات العمالية وفتح المجال للشباب والمرأة لقيادة هذه النقابات واعفاء الأشخاص المتقاعدون الذين يتربعون على هرم قيادة النقابات العمالية وهم فعلياً قد غادروا سوق العمل منذ وقت طويل بل ان بعضهم تحول الى صاحب عمل ..  أقول ان جمود الأدوات النقابية على الأدوات التي تم استخدامها منذ الثورة الصناعية وبداية ظهور النقابات لهو أمر يجب اعادة النظر فيه أيضاً.
تعتبر النقابات العمالية من أكثر التنظيمات المجتمعية في الأردن التي عدلت على أنظمتها الداخلية حيث تكاد تكون سنة -سيئة- متبعة لدى هذه النقابات بتعديل الأنظمة كل دورة نقابية، ولكن هذه التعديلات للأسف لم تنعكس على ادماج أدوات نقابية حديثة تستقطب أشكال العمل الجديدة والمستحدثة وتؤمن انتقال آمن للعاملين، حيث من غير المقبول أن نطلب من عمال المنصات مثلاً أو العاملين عن بعد والعمل المرن الذين يمارسون كافة أعمالهم الكترونياً بضرورة التوجه الى مبنى النقابة لتعبئة استمارة ورقية للانتساب للنقابة!! ثم اذا ما رغبوا بمعرفة موعد الانتخابات النقابية مثلاً فيجب عليهم متابعة لوحة الحائط الموجودة في النقابة!!
من المفترض والمأمول دائماً من النقابات العمالية أن تكون أكثر دراماتيكية وتصل الى الفئات التي لم تفلح الحكومة بالوصول اليهم وتنظيم قطاعاتهم ليكون تنظيم القطاعات وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتحقيق استدامة الضمان الاجتماعي خارطة طريق نقابية تزداد وتيرتها وقوتها طرداً مع قوة العمال ويضعف ويتلاشي بضعف النقابات واهدار قوة العمال.

Post a Comment

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020