1/11/2026
لا يمكن الحديث عن التنمية الحقيقية دون الحديث عن الحماية الاجتماعية ولا يمكن بناء إقتصاد قوي ومستقر دون أن يشعر المواطن بأن هناك منظومة تحميه من مخاطر الحياة وتصون كرامته وتضمن له الحد الأدنى من الاستقرار والأمان.
إن الحماية الاجتماعية ليست مجرد مصطلح إقتصادي أو شعار يُرفع في المؤتمرات والندوات وليست مجرد مساعدات مالية تُقدَّم للفئات الهشة عند الحاجة بل هي منظومة متكاملة من السياسات والبرامج والتدابير التي تهدف إلى حماية الإنسان من الفقر والعوز ومساعدته على مواجهة تقلبات الحياة وضمان حصوله على حقوقه الأساسية وتعزيز قدرته على العيش بكرامة والمشاركة الفاعلة في تنمية وطنه.
فالمواطن الذي يعمل طوال سنوات عمره ويساهم بجهده وعرقه في بناء الإقتصاد الوطني من حقه أن يجد نظاما يحميه عندما يفقد عمله أو يتعرض لمرض أو يبلغ سن التقاعد أو يعجز عن مواصلة العمل والأم التي تعيل أسرة محدودة الدخل والطفل الذي يحتاج إلى التعليم والرعاية الصحية والشخص ذو الإعاقة والعامل الموسمي الذي لا يملك دخلا مستقرا والمسن الذي لم يعد قادرا على العمل جميعهم يحتاجون إلى منظومة حماية إجتماعية تستجيب لظروفهم وتحفظ حقوقهم وكرامتهم.
فما قيمة النمو الاقتصادي إذا لم ينعكس على حياة المواطنين؟ وما جدوى إرتفاع المؤشرات الاقتصادية إذا ظل العامل عاجزا عن توفير إحتياجات أسرته الأساسية؟ وما معنى التنمية إذا بقيت فئات واسعة من المجتمع معرضة للفقر والمرض والبطالة دون حماية كافية؟
إن هذه الأسئلة تضعنا أمام حقيقة جوهرية وهي أن نجاح الدول لا يُقاس فقط بحجم المشاريع التي تنجزها أو بالأرقام التي تعلنها أو بمعدلات النمو التي تحققها وإنما يُقاس أيضا بمدى قدرتها على تحويل ثمار التنمية إلى فرص حقيقية لتحسين حياة الناس وتعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق وتوفير شروط العيش الكريم لجميع المواطنين.
أولا: الحماية الاجتماعية ضمان للأمان والاستقرار
تؤدي الحماية الاجتماعية دورا محوريا في حماية الأفراد والأسر من الصدمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تهدد استقرارهم فالحياة ليست دائما على وتيرة واحدة إذ قد يفقد الإنسان مصدر دخله بصورة مفاجئة أو يواجه تكاليف علاج مرتفعة أو يتعرض لإصابة مهنية تمنعه من العمل أو يجد نفسه أمام مسؤوليات أسرية تفوق قدرته المالية.
وفي مثل هذه الظروف تظهر القيمة الحقيقية للحماية الاجتماعية فهي التي تساعد الإنسان على تجاوز الأزمات دون أن ينزلق إلى الفقر المدقع أو يضطر إلى التخلي عن تعليم أبنائه أو يحرم أسرته من الغذاء والعلاج والاحتياجات الضرورية.
ومن هنا فإن وجود نظام فعّال للحماية الاجتماعية لا يخدم الفئات الفقيرة وحدها بل يحمي المجتمع بأكمله ويعزز شعور المواطنين بالطمأنينة والثقة في مؤسسات الدولة ويحد من الهشاشة الاجتماعية التي قد تتفاقم عندما تُترك الأسر وحدها في مواجهة الأزمات.
ثانيا: الحماية الاجتماعية والعمال علاقة لا تنفصل عن العدالة
يحتل العمال مكانة أساسية في أي نقاش جاد حول الحماية الاجتماعية فهم الذين يساهمون بأيديهم وعقولهم وخبراتهم في الإنتاج وتقديم الخدمات وتحريك عجلة الاقتصاد سواء في القطاع العام أو الخاص أو في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات.
ومع ذلك لا يزال عدد من العمال يواجهون ظروفا صعبة تتمثل في تدني الأجور وضعف القدرة الشرائية وعدم استقرار فرص العمل وغياب التغطية الاجتماعية الكافية وصعوبة الحصول على العلاج فضلا عن المخاطر المهنية التي تهدد صحتهم وسلامتهم.
وتزداد هذه التحديات لدى العمال الموسميين والعمال الزراعيين والعاملين في المناطق الريفية الذين قد يعملون فترات محدودة من السنة ويتقاضون دخولا غير مستقرة ولا يستفيدون دائما من التغطية الصحية أو أنظمة التقاعد والتعويض عن إصابات العمل.
لذلك فإن تطوير الحماية الاجتماعية يقتضي توسيع نطاق التغطية ليشمل مختلف فئات العمال وعدم حصر الاستفادة منها في أصحاب الوظائف المستقرة أو العاملين في المؤسسات المنظمة فقط.
كما يتطلب تعزيز تطبيق قوانين العمل وتوسيع التسجيل في أنظمة الضمان الاجتماعي وتحسين شروط الصحة والسلامة المهنية وضمان التعويض العادل عن إصابات العمل وحماية حقوق العامل عند المرض أو العجز أو التقاعد وتوفير آليات مناسبة لحماية العمال الذين تتسم أنشطتهم بالموسمية أو عدم الانتظام.
فالعمل اللائق لا يعني مجرد الحصول على وظيفة بل يعني أيضا الحصول على أجر منصف وبيئة عمل آمنة وحقوق مضمونة وحماية اجتماعية فعّالة.
ثالثا: الحماية الاجتماعية استثمار في الاقتصاد وليست عبئا عليه
من الأخطاء الشائعة النظر إلى الإنفاق على الحماية الاجتماعية باعتباره عبئا على ميزانية الدولة أو تكلفة لا تحقق عائدا اقتصاديا مباشرا.
والحقيقة أن الحماية الاجتماعية عندما تُصمم بصورة عادلة وفعّالة ومستدامة يمكن أن تكون من أهم الاستثمارات في الإنسان وفي الاقتصاد الوطني.
فالمواطن الذي يتمتع بتغطية صحية مناسبة يستطيع الحصول على العلاج في الوقت المناسب بدلا من أن تتفاقم حالته الصحية وتزداد تكاليف علاجها والأسرة التي تحصل على دعم اجتماعي مستهدف تستطيع تلبية بعض احتياجاتها الأساسية وتوجيه جزء من مواردها إلى تعليم أبنائها وتحسين ظروف معيشتها.
كما تساهم برامج الحماية الاجتماعية في الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر ودعم الطلب على السلع والخدمات المحلية والحد من الآثار الاجتماعية للأزمات الاقتصادية وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود أمام ارتفاع الأسعار والكوارث والأزمات الصحية.
وعندما يشعر العامل بالأمان الاجتماعي يصبح أكثر قدرة على التركيز في عمله وأكثر استعدادا لتطوير مهاراته وأكثر ثقة في المستقبل.
وهكذا فإن الحماية الاجتماعية لا تقتصر على معالجة آثار الفقر بعد وقوعه بل يمكنها أن تسهم في الوقاية منه وتحد من انتقاله من جيل إلى آخر وتدعم بناء اقتصاد أكثر شمولا وتوازنا.
رابعا: ما الذي يجعل الحماية الاجتماعية ناجحة في الدول؟
إن نجاح منظومة الحماية الاجتماعية لا يتحقق بمجرد وجود قوانين أو مؤسسات أو برامج معلنة بل يرتبط بقدرتها الفعلية على الوصول إلى المواطنين الذين يحتاجون إليها وتقديم خدمات ذات جودة وضمان استمراريتها وعدالة الاستفادة منها.
ومن أهم الشروط التي تجعل هذه المنظومة أكثر فاعلية:
1 التغطية الشاملة والعادلة:
بحيث تشمل الحماية الاجتماعية مختلف الفئات ولا تترك العمال غير النظاميين والموسميين وسكان المناطق الريفية والفئات الهشة خارج نطاقها.
2 توفير الرعاية الصحية المناسبة:
من خلال تسهيل الوصول إلى العلاج وتحسين جودة الخدمات الصحية والحد من الأعباء المالية التي تتحملها الأسر عند المرض.
3 ضمان معاشات التقاعد والحماية من العجز:
بما يحفظ كرامة كبار السن والأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على العمل ويمنع تحول الشيخوخة أو العجز إلى سبب للفقر.
4 حماية الأطفال والأسر محدودة الدخل:
عبر برامج مدروسة تساعد على توفير الغذاء والتعليم والرعاية الصحية وتمنح الأطفال فرصا أفضل للنمو والتعلم.
5 الحماية من البطالة وفقدان الدخل:
من خلال تطوير آليات الدعم المناسبة وربطها ببرامج التدريب والتأهيل والتشغيل حيثما أمكن.
6 دعم الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة:
عبر خدمات وإجراءات تراعي احتياجاتهم الفعلية وتضمن مشاركتهم في المجتمع دون تمييز.
7 تعزيز الشفافية والحوكمة:
بضمان وصول المساعدات والمنافع إلى مستحقيها وتحسين إدارة الموارد والحد من الأخطاء والإقصاء والتلاعب.
8 الحوار الاجتماعي ومشاركة الشركاء:
من خلال إشراك الحكومة وأصحاب العمل والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني في تصميم السياسات ومتابعة تنفيذها وتقييم نتائجها.
9 الاستدامة المالية:
عبر تعبئة الموارد بطريقة متوازنة وتوسيع قاعدة المساهمين وتحسين إدارة أنظمة الضمان الاجتماعي وضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الحالية والمستقبلية.
10 التقييم المستمر:
لأن نجاح البرامج لا يُقاس بعدد المستفيدين المعلن فقط بل أيضا بمدى تحسن ظروفهم المعيشية وانخفاض تعرضهم للفقر وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
في موريتانيا تكتسب الحماية الاجتماعية أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتفاوت الدخول والهشاشة الاقتصادية لبعض الأسر واتساع الأنشطة غير النظامية والصعوبات التي تواجه العمال الموسميين والعاملين في المناطق الريفية.
وقد شهد البلد جهودا وبرامج اجتماعية تستهدف دعم الفئات الهشة ومساعدة الأسر محدودة الدخل وهو ما يعكس أهمية البعد الاجتماعي في السياسات العمومية غير أن استمرار الحاجة إلى تحسين الظروف المعيشية يفرض مواصلة تطوير هذه الجهود وتوسيع نطاق الاستفادة منها وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية.
إن المطلوب ليس التقليل من قيمة ما تحقق ولا الاكتفاء بما هو قائم بل البناء على الجهود الموجودة من أجل الوصول إلى منظومة أكثر شمولا وفعالية واستدامة.
ومن الضروري العمل على توسيع التغطية الصحية والاجتماعية للعمال وتسهيل تسجيلهم في أنظمة الضمان الاجتماعي وتحسين أوضاع أصحاب الدخل المحدودة وتعزيز حماية العاملين في القطاع غير النظامي وتطوير برامج ملائمة للعمال الزراعيين والموسميين مع إيلاء المناطق الريفية والفئات الأقل وصولا إلى الخدمات اهتماما خاصا.
كما أن تحسين الأجور والقدرة الشرائية واحترام الحد الأدنى للأجور وتطبيق تشريعات العمل وتوفير بيئات عمل آمنة تمثل عناصر مكملة لا يمكن فصلها عن الحماية الاجتماعية.
فلا يكفي أن يحصل المواطن على مساعدة مؤقتة إذا كانت ظروفه الأساسية تعيده باستمرار إلى دائرة العوز كما لا يكفي أن تتوفر فرصة عمل إذا كانت لا تضمن دخلا مناسبا ولا توفر الحد الأدنى من الحماية عند المرض أو العجز أو التقاعد.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال التدريجي من التدخلات التي تعالج الاحتياجات العاجلة فقط إلى سياسات متكاملة تجمع بين الدعم الاجتماعي والعمل اللائق والحماية الصحية والتأمين الاجتماعي والتكوين المهني وخلق فرص العمل المستدامة.
إن المواطن في العالم لا يحتاج إلى الحماية الاجتماعية في أوقات الأزمات وحدها بل يحتاج إليها بوصفها ضمانا مستمرا لحقوقه وكرامته وأمنه الاجتماعي.
لا يمكن بناء نظام متوازن للحماية الاجتماعية دون مشاركة فعلية للنقابات العمالية فالنقابات هي الأقرب إلى معرفة واقع العمال والتحديات التي يواجهونها والفجوات الموجودة بين الحقوق المقررة قانونا والحقوق التي يحصلون عليها فعليا.
ومن مسؤولية الحركة النقابية الدفاع عن توسيع التغطية الاجتماعية والمطالبة بتحسين الخدمات الصحية وحماية العمال من المخاطر المهنية وضمان الحقوق التقاعدية وتعزيز المساواة بين النساء والرجال في فرص العمل والحماية والدفاع عن العمال الذين لا يتمتعون بعقود مستقرة.
كما يقع على عاتق النقابات تعزيز الوعي لدى العمال بأهمية التسجيل في أنظمة الضمان الاجتماعي وتوجيههم إلى المؤسسات المختصة ومتابعة شكاواهم والمشاركة في الحوار الاجتماعي من أجل الوصول إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ.
ومن المهم أيضا ألا تبقى الحماية الاجتماعية موضوعا للنقاش النظري بل ينبغي أن تتحول إلى مطالب واضحة ومؤشرات قابلة للقياس وجداول زمنية والتزامات متفق عليها وآليات لمتابعة التنفيذ.
فكل عامل يحصل على تغطية اجتماعية كان محروما منها وكل أسرة تصل إلى خدمة صحية تحتاج إليها وكل إصابة مهنية يُعوَّض عنها بصورة عادلة وكل متقاعد يتمكن من العيش بكرامة يمثل خطوة حقيقية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.
إن بناء منظومة فعالة للحماية الاجتماعية مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الدولة وأرباب العمل والنقابات والمجتمع المدني إلى جانب وعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم.
فالدولة مطالبة بوضع السياسات المناسبة وتوفير الأطر القانونية والمؤسسية والموارد الضرورية وأصحاب العمل مطالبون باحترام التزاماتهم القانونية تجاه العمال والنقابات مطالبة بالدفاع عن الحقوق ومراقبة التنفيذ فيما يساهم المجتمع المدني في التوعية والوصول إلى الفئات التي يصعب الوصول إليها.
ولا بد أن تقوم هذه المنظومة على مبادئ العدالة والإنصاف والتضامن وعدم التمييز وأن تضمن ألا يكون الفقر أو المرض أو الإعاقة أو التقدم في السن أو فقدان العمل سببا في حرمان الإنسان من حياة كريمة.
كما ينبغي أن تستند السياسات الاجتماعية إلى بيانات دقيقة عن أوضاع السكان والعمال وأن تخضع للمتابعة والتقييم حتى تكون الموارد الموجهة إليها أكثر فاعلية وتصل المنافع إلى من يحتاجون إليها فعلا.
إن التنمية التي نطمح إليها ليست مجرد طرق ومبان ومشاريع واستثمارات على الرغم من أهميتها بل هي أيضا إنسان يجد العلاج عندما يمرض وعامل يشعر بالأمان عندما يؤدي عمله وطفل يحصل على التعليم والتغذية والرعاية وامرأة تتمتع بالحماية والفرص المتكافئة ومسن يعيش بكرامة وأسرة لا يهددها الفقر عند أول أزمة.
إن الحماية الاجتماعية ليست نقيضا للتنمية الاقتصادية بل أحد شروط نجاحها واستدامتها وليست إحسانًا يُقدَّم للمحتاجين بل تعبير عن مسؤولية المجتمع تجاه أفراده وعن التزام الدولة بحماية الحقوق الأساسية وصون الكرامة الإنسانية.
وكلما اتسعت التغطية الاجتماعية وتحسنت جودة الخدمات وتعززت العدالة في توزيع الفرص والمنافع ازدادت ثقة المواطنين في مؤسساتهم وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأصبح الاقتصاد أكثر تماسكا واستقرارا.
إن الرهان الحقيقي ليس في أن نعلن عن وجود الحماية الاجتماعية بل في أن نجعل المواطن يشعر بها في حياته اليومية في علاجه وأجره وعمله، وتعليم أبنائه وتقاعده وقدرته على مواجهة الظروف الصعبة دون أن يفقد كرامته.
ومن هذا المنطلق فإن تطوير الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها وتحسين فعاليتها يجب أن يظل أولوية وطنية مستمرة لا ترتبط بمناسبة أو ظرف مؤقت بل تقوم على رؤية واضحة والتزامات قابلة للتنفيذ وشراكة حقيقية بين جميع الفاعلين.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الموارد بل تلك التي تحسن توظيفها لخدمة الإنسان والمجتمع المتقدم ليس فقط الذي ينتج أكثر بل الذي يضمن أن يعيش أبناؤه بكرامة وأمان وعدالة.
خامسا: الحماية الاجتماعية في موريتانيا من الجهود القائمة إلى التغطية الأوسع والأثر الأعمق
في موريتانيا تكتسب الحماية الاجتماعية أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتفاوت الدخول والهشاشة الاقتصادية لبعض الأسر واتساع الأنشطة غير النظامية والصعوبات التي تواجه العمال الموسميين والعاملين في المناطق الريفية.
وقد شهد البلد جهودا وبرامج اجتماعية تستهدف دعم الفئات الهشة ومساعدة الأسر محدودة الدخل وهو ما يعكس أهمية البعد الاجتماعي في السياسات العمومية غير أن استمرار الحاجة إلى تحسين الظروف المعيشية يفرض مواصلة تطوير هذه الجهود وتوسيع نطاق الاستفادة منها وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية.
إن المطلوب ليس التقليل من قيمة ما تحقق ولا الاكتفاء بما هو قائم بل البناء على الجهود الموجودة من أجل الوصول إلى منظومة أكثر شمولا وفعالية واستدامة.
ومن الضروري العمل على توسيع التغطية الصحية والاجتماعية للعمال وتسهيل تسجيلهم في أنظمة الضمان الاجتماعي وتحسين أوضاع أصحاب الدخل المحدودة وتعزيز حماية العاملين في القطاع غير النظامي وتطوير برامج ملائمة للعمال الزراعيين والموسميين مع إيلاء المناطق الريفية والفئات الأقل وصولا إلى الخدمات اهتماما خاصا.
كما أن تحسين الأجور والقدرة الشرائية واحترام الحد الأدنى للأجور وتطبيق تشريعات العمل وتوفير بيئات عمل آمنة تمثل عناصر مكملة لا يمكن فصلها عن الحماية الاجتماعية.
فلا يكفي أن يحصل المواطن على مساعدة مؤقتة إذا كانت ظروفه الأساسية تعيده باستمرار إلى دائرة العوز كما لا يكفي أن تتوفر فرصة عمل إذا كانت لا تضمن دخلا مناسبا ولا توفر الحد الأدنى من الحماية عند المرض أو العجز أو التقاعد.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال التدريجي من التدخلات التي تعالج الاحتياجات العاجلة فقط إلى سياسات متكاملة تجمع بين الدعم الاجتماعي والعمل اللائق والحماية الصحية والتأمين الاجتماعي والتكوين المهني وخلق فرص العمل المستدامة.
إن المواطن في العالم لا يحتاج إلى الحماية الاجتماعية في أوقات الأزمات وحدها بل يحتاج إليها بوصفها ضمانا مستمرا لحقوقه وكرامته وأمنه الاجتماعي.
سادسا: النقابات العمالية شريك أساسي في بناء الحماية الاجتماعية
لا يمكن بناء نظام متوازن للحماية الاجتماعية دون مشاركة فعلية للنقابات العمالية فالنقابات هي الأقرب إلى معرفة واقع العمال والتحديات التي يواجهونها والفجوات الموجودة بين الحقوق المقررة قانونا والحقوق التي يحصلون عليها فعليا.
ومن مسؤولية الحركة النقابية الدفاع عن توسيع التغطية الاجتماعية والمطالبة بتحسين الخدمات الصحية وحماية العمال من المخاطر المهنية وضمان الحقوق التقاعدية وتعزيز المساواة بين النساء والرجال في فرص العمل والحماية والدفاع عن العمال الذين لا يتمتعون بعقود مستقرة.
كما يقع على عاتق النقابات تعزيز الوعي لدى العمال بأهمية التسجيل في أنظمة الضمان الاجتماعي وتوجيههم إلى المؤسسات المختصة ومتابعة شكاواهم والمشاركة في الحوار الاجتماعي من أجل الوصول إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ.
ومن المهم أيضا ألا تبقى الحماية الاجتماعية موضوعا للنقاش النظري بل ينبغي أن تتحول إلى مطالب واضحة ومؤشرات قابلة للقياس وجداول زمنية والتزامات متفق عليها وآليات لمتابعة التنفيذ.
فكل عامل يحصل على تغطية اجتماعية كان محروما منها وكل أسرة تصل إلى خدمة صحية تحتاج إليها وكل إصابة مهنية يُعوَّض عنها بصورة عادلة وكل متقاعد يتمكن من العيش بكرامة يمثل خطوة حقيقية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.
سابعا: الحماية الاجتماعية حق للجميع ومسؤولية مشتركة
إن بناء منظومة فعالة للحماية الاجتماعية مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الدولة وأرباب العمل والنقابات والمجتمع المدني إلى جانب وعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم.
فالدولة مطالبة بوضع السياسات المناسبة وتوفير الأطر القانونية والمؤسسية والموارد الضرورية وأصحاب العمل مطالبون باحترام التزاماتهم القانونية تجاه العمال والنقابات مطالبة بالدفاع عن الحقوق ومراقبة التنفيذ فيما يساهم المجتمع المدني في التوعية والوصول إلى الفئات التي يصعب الوصول إليها.
ولا بد أن تقوم هذه المنظومة على مبادئ العدالة والإنصاف والتضامن وعدم التمييز وأن تضمن ألا يكون الفقر أو المرض أو الإعاقة أو التقدم في السن أو فقدان العمل سببا في حرمان الإنسان من حياة كريمة.
كما ينبغي أن تستند السياسات الاجتماعية إلى بيانات دقيقة عن أوضاع السكان والعمال وأن تخضع للمتابعة والتقييم حتى تكون الموارد الموجهة إليها أكثر فاعلية وتصل المنافع إلى من يحتاجون إليها فعلا.
أخيرا أي تنمية نريد لمواطنينا؟
إن التنمية التي نطمح إليها ليست مجرد طرق ومبان ومشاريع واستثمارات على الرغم من أهميتها بل هي أيضا إنسان يجد العلاج عندما يمرض وعامل يشعر بالأمان عندما يؤدي عمله وطفل يحصل على التعليم والتغذية والرعاية وامرأة تتمتع بالحماية والفرص المتكافئة ومسن يعيش بكرامة وأسرة لا يهددها الفقر عند أول أزمة.
إن الحماية الاجتماعية ليست نقيضا للتنمية الاقتصادية بل أحد شروط نجاحها واستدامتها وليست إحسانًا يُقدَّم للمحتاجين بل تعبير عن مسؤولية المجتمع تجاه أفراده وعن التزام الدولة بحماية الحقوق الأساسية وصون الكرامة الإنسانية.
وكلما اتسعت التغطية الاجتماعية وتحسنت جودة الخدمات وتعززت العدالة في توزيع الفرص والمنافع ازدادت ثقة المواطنين في مؤسساتهم وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأصبح الاقتصاد أكثر تماسكا واستقرارا.
إن الرهان الحقيقي ليس في أن نعلن عن وجود الحماية الاجتماعية بل في أن نجعل المواطن يشعر بها في حياته اليومية في علاجه وأجره وعمله، وتعليم أبنائه وتقاعده وقدرته على مواجهة الظروف الصعبة دون أن يفقد كرامته.
ومن هذا المنطلق فإن تطوير الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها وتحسين فعاليتها يجب أن يظل أولوية وطنية مستمرة لا ترتبط بمناسبة أو ظرف مؤقت بل تقوم على رؤية واضحة والتزامات قابلة للتنفيذ وشراكة حقيقية بين جميع الفاعلين.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الموارد بل تلك التي تحسن توظيفها لخدمة الإنسان والمجتمع المتقدم ليس فقط الذي ينتج أكثر بل الذي يضمن أن يعيش أبناؤه بكرامة وأمان وعدالة.

Post a Comment