18-10-2026
ليس كل من لا يعمل عاطلا في دفاتر الإحصاء، وليس كل من يعمل قادرا على العيش بكرامة، وليس كل رقم عن فرص العمل دليلا على أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح. وبين الأرقام الرسمية وواقع الناس تقف أزمة البطالة في الأردن، حيث تتخرج الأجيال من الجامعات، ثم تجد نفسها أمام سوق عمل لا يتسع لها، وتنتظر سنوات للحصول على وظيفة قد لا توفر لها الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
أولا: ماذا تقول الأرقام عن البطالة في الأردن؟بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغت نسبة البطالة بين الأردنيين نحو 21.4% خلال عام 2024، مقارنة بنحو 22% عام 2023. ورغم التراجع المحدود، فإن النسبة ما تزال مرتفعة، وتعكس أزمة تتجاوز مجرد عدم توفر وظيفة، لتصل إلى طبيعة الاقتصاد وقدرته على توفير فرص عمل مستقرة ولائقة.
وتكشف الأرقام عن تفاوت واضح بين الذكور والإناث، إذ بلغت البطالة بين الذكور نحو 18.2%، مقابل 32.9% بين الإناث خلال عام 2024. وهذا الفارق لا يمكن تفسيره فقط باختلاف المؤهلات أو الخيارات الفردية، بل يرتبط أيضا بطبيعة سوق العمل، ومحدودية الفرص المتاحة للنساء، والعوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من مشاركتهن.وتزداد الصورة وضوحا عند النظر إلى فئة الشباب، وهي الفئة الأكبر أهمية في مستقبل المجتمع الأردني، والأكثر تأثرا بانسداد فرص العمل. فقد وصلت نسبة البطالة بين الشباب الأردنيين في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاما إلى نحو 46.6% عام 2024، وارتفعت بين الشابات إلى نحو 63.9%، مقابل 42.6% بين الشباب الذكور.
هذه الأرقام تعني أن نسبة كبيرة من الشباب الذين يفترض أن يكونوا في بداية حياتهم المهنية، ويساهموا في الإنتاج والاستقلال الاقتصادي، يجدون أنفسهم خارج سوق العمل. وهنا لا نتحدث عن أرقام عابرة، بل عن سنوات من أعمار الناس تتعطل فيها القدرة على الاستقلال وتأسيس الأسرة والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
ثانيا: الشباب خارج العمل والتعليم والتدريب لا تتوقف المشكلة عند الشباب الذين يبحثون عن عمل ولا يجدونه، فهناك فئة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل بالشباب الذين لا يعملون ولا يتلقون تعليما أو تدريبا. وتشير البيانات إلى أن نحو 35.3% من الشباب الأردنيين في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاما كانوا خارج العمل والتعليم والتدريب عام 2023، وارتفعت النسبة بين الشابات إلى 45.4%، مقابل 26.3% بين الشباب الذكور.
وهذه النسب تكشف أن المسألة أوسع من البطالة بمفهومها التقليدي، فهناك طاقات بشرية واسعة تبقى خارج العملية الإنتاجية والتعليمية، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى توظيف طاقات أجياله في بناء الاقتصاد وتطويره.
وعند المقارنة مع المعدلات العالمية، تبدو خطورة البطالة بين الشباب في الأردن أكثر وضوحا. فقد أشار تقرير منظمة العمل الدولية إلى أن معدل بطالة الشباب عالميا بلغ نحو 13% عام 2023، بينما وصل المعدل في المنطقة العربية إلى نحو 28%. أما في الأردن، فقد بلغت بطالة الشباب بين 15 و24 عاما نحو 46.6% عام 2024.
ومع ضرورة الانتباه إلى اختلاف السنوات والفئات الإحصائية المستخدمة في هذه المقارنات، فإن الأرقام تؤكد أن بطالة الشباب في الأردن أعلى بكثير من المعدلات العالمية، وأنها تمثل تحديا اقتصاديا واجتماعيا لا يمكن التعامل معه بوصفه مشكلة مؤقتة.
ثالثا: هل تكمن المشكلة في عدد الوظائف أم في طبيعتها؟من المهم ألا ننظر إلى عدد الوظائف المستحدثة وحده باعتباره دليلا كافيا على تحسن واقع التشغيل.
فالسؤال الأساسي هو: ما طبيعة هذه الوظائف؟ وهل توفر أجورا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية؟ وهل تمنح العامل استقرارا وظيفيا وحماية اجتماعية؟ وهل تتناسب مع مؤهلاته وقدراته؟ فقد يحصل الشاب على وظيفة، لكنه يبقى عاجزا عن الاستقلال المادي بسبب تدني الأجر وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والمواصلات. وقد يعمل آخر لساعات طويلة دون ضمانات كافية أو حماية اجتماعية، فيما يضطر بعض الخريجين إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم، أو القبول بأعمال لا تتناسب مع سنوات دراستهم.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين توفير أي فرصة عمل وبين توفير العمل اللائق. فالمطلوب ليس أن يدخل الناس سوق العمل بأي شروط، بل أن تكون لهم حقوق واضحة وأجور عادلة وظروف عمل تحفظ كرامتهم وتمنحهم القدرة على بناء حياتهم.
رابعا: فجوة الأجور والعمل غير المستقرلا تقتصر أزمة سوق العمل على البطالة، بل تمتد إلى التفاوت في الأجور والفرص، وإلى ضعف الحماية الاجتماعية التي يفترض أن تحمي العامل من الاستغلال ومن تقلبات الحياة الاقتصادية.
وتظهر الفجوة بين النساء والرجال في الأجور بوضوح في بعض القطاعات، حيث تتسع الفوارق في مجالات مثل التعليم والصناعات التحويلية. وهذا يعني أن دخول المرأة إلى سوق العمل لا يضمن بالضرورة حصولها على فرص متكافئة أو أجر عادل. كما أن غياب الاستقرار الوظيفي وضعف الضمانات في بعض الأعمال يدفعان العامل إلى القبول بشروط قد لا تحفظ حقوقه، خصوصا عندما تكون البدائل محدودة ويكون الخوف من فقدان مصدر الدخل أقوى من القدرة على المطالبة بالحقوق.
ومن هنا، فإن معالجة البطالة لا تنفصل عن الدفاع عن حقوق العمال، ورفع مستوى الأجور، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وضمان ظروف عمل لائقة. فليس من العدالة أن يتحمل العامل وحده كلفة الأزمات الاقتصادية، بينما تبقى ثمار النمو بعيدة عن قطاعات واسعة من المجتمع.
خامسا: فرص العمل بين الأرقام والواقعتشير البيانات الرسمية إلى أن صافي فرص العمل المستحدثة في الأردن بلغ نحو 87,617 فرصة خلال عام 2025، فيما بلغ عدد الفرص المستحدثة خلال النصف الأول من العام نحو 48,403 فرص. لكن الأرقام تكشف أيضا عن تفاوت واضح في توزيع هذه الفرص، إذ بلغت حصة الذكور نحو 85.2% مقابل 14.8% للإناث خلال النصف الأول من العام.
وهنا يبرز سؤال أساسي حول طبيعة النمو الاقتصادي ومدى قدرته على توفير فرص عمل متوازنة ومستقرة لمختلف فئات المجتمع.
وقبل جائحة كورونا، كان عدد الوظائف المستحدثة سنويا أقل بكثير من الأرقام التي يجري الحديث عنها اليوم، إذ كان يدور في حدود خمسين ألف فرصة في أفضل الأحوال وفق التقديرات المتداولة. أما بعد الجائحة، ومع الأزمات الاقتصادية والضغوط التي مر بها الاقتصاد، فقد ارتفعت الأرقام المعلنة إلى مستويات تقارب تسعين ألف فرصة سنويا.
وهذا التغير يستدعي قراءة دقيقة، لا التشكيك بالأرقام لمجرد ارتفاعها، ولا التعامل معها باعتبارها دليلا نهائيا على تجاوز الأزمة. بل ينبغي النظر إلى تعريف الوظيفة المستحدثة، وطبيعة فرص العمل التي دخلت في الحسابات، ومدى استمراريتها، وما إذا كانت وظائف جديدة صافية أم تشمل أنماطا مختلفة من التشغيل. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الوظائف المعلن عنها فقط، وإنما مدى انعكاسها على حياة الناس، وقدرتها على خفض البطالة وتوفير دخل مستقر وتحسين شروط العمل.
سادسا: ما الأسباب الحقيقية للبطالة؟لا يمكن اختزال البطالة في الأردن في عدم امتلاك الشباب للمهارات أو في عدم توافق تخصصاتهم مع احتياجات السوق، رغم أهمية هذه المسائل. فمثل هذا التفسير ينقل المسؤولية من السياسات الاقتصادية إلى الأفراد، وكأن المشكلة تكمن في الشباب أنفسهم لا في طبيعة الاقتصاد والفرص المتاحة أمامهم.
إن أحد الأسباب الأساسية يتمثل في محدودية قدرة القطاعات الاقتصادية على توليد فرص عمل كافية ومستدامة، إلى جانب ضعف التوسع في القطاعات الإنتاجية التي تستطيع استيعاب أعداد كبيرة من العاملين. كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والتشغيل، ومحدودية الاستثمارات المولدة لفرص العمل، تؤثر في قدرة المنشآت على التوسع والتوظيف.
وتبرز كذلك مشكلة التفاوت الجغرافي في الفرص، حيث تتركز نسبة كبيرة من الوظائف في مناطق محددة، ما يفرض على الشباب في المحافظات الأخرى أعباء إضافية تتعلق بالمواصلات والسكن وتكاليف الوصول إلى العمل.
ولا يمكن إغفال تدني الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة، الأمر الذي يجعل بعض الوظائف غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي.
كما أن ضعف الحماية الاجتماعية والعمل غير المستقر يساهمان في تعميق هشاشة العامل، حتى عندما يكون قادرا على الحصول على وظيفة.أما البطالة المقنعة، فتضيف بعدا آخر للأزمة، حين يعمل أشخاص في وظائف لا تستثمر قدراتهم ومؤهلاتهم بصورة مناسبة، أو في مواقع لا تعكس حجم العمل الفعلي المطلوب.
وهذا يعني أن معالجة البطالة لا تتعلق بعدد الوظائف وحده، بل أيضا بكفاءة توزيع العمل وطبيعته وإنتاجيته.
سابعا: البطالة ليست فشلا فرديا بل أزمة سياسات إن أخطر ما يمكن أن نفعله في مواجهة البطالة هو التعامل معها باعتبارها فشلا شخصيا يتحمله الشاب وحده، أو اعتبار أن المشكلة ستُحل بمجرد حصوله على دورة تدريبية إضافية.
فالتعليم والتدريب مهمان، لكنهما لا يستطيعان وحدهما خلق الوظائف إذا لم يكن الاقتصاد قادرا على توليدها. ولا يمكن مطالبة الأجيال بالتأهيل المستمر ثم تركها أمام سوق لا يوفر لها فرصا تتناسب مع قدراتها ومؤهلاتها.
إن معالجة البطالة تتطلب مراجعة السياسات الاقتصادية التي تحدد طبيعة الاستثمار واتجاهات الإنتاج وتوزيع الثروة، وتعزيز القطاعات القادرة على خلق فرص عمل مستقرة، ورفع مستوى الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان حقوق العمال.
كما تتطلب أن تكون للشباب فرصة حقيقية في المشاركة في صياغة السياسات التي تحدد مستقبلهم، بدلا من أن يبقوا مجرد فئة يجري الحديث عنها في الخطط والتصريحات، بينما يتحملون وحدهم نتائج الاختلالات الاقتصادية.
خاتمة إن البطالة في الأردن ليست مجرد نسبة تنخفض قليلا في تقرير أو ترتفع في آخر، بل هي سنوات من الانتظار، وطاقات معطلة، وأحلام مؤجلة، وأجيال تبحث عن مكان لها في مجتمع يفترض أن يكون مستقبلها جزءا من مستقبله.
والمشكلة لا تكمن في غياب الرغبة بالعمل لدى الشباب، بل في غياب الفرص الكافية والعادلة، وفي طبيعة اقتصاد لا تزال قدرته على استيعاب الطاقات البشرية محدودة.
فلا قيمة لنمو اقتصادي لا ينعكس على حياة الناس، ولا معنى لارتفاع أرقام التشغيل إذا بقي العامل عاجزا عن تأمين احتياجاته الأساسية، ولا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية دون ضمان الحق في العمل والأجر العادل والحماية الاجتماعية.
Post a Comment