recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

إصلاح الضمان الاجتماعي ، إعادة التفكير في سن تقاعد الشيخوخة

إصلاح الضمان الاجتماعي ، إعادة التفكير في سن تقاعد الشيخوخة



أحمد عوض 
1/2/2026

يُعدّ سن تقاعد الشيخوخة من أكثر المتغيرات حساسية وتأثيرا في استدامة أنظمة التأمينات الاجتماعية، لأنه ينعكس مباشرة على التوازن بين فترات الاشتراك وفترات الاستفادة، وعلى العلاقة طويلة الأمد بين الإيرادات التأمينية والنفقات التقاعدية.

فكلما كان سن التقاعد منخفضا مقارنة بمتوسط العمر المتوقع، اتسعت الفجوة "الاكتوارية" وازدادت الضغوط على صناديق التقاعد، خصوصا في ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة التي تشهدها معظم دول العالم.
ومن المهم ربط أي تعديل في سن التقاعد بإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي بوصفها العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية في الأردن، وبما ينسجم مع الإستراتيجية الوطنية المحدثة للحماية الاجتماعية. فهدف الإصلاح يجب أن يكون تعزيز الحماية الاجتماعية وتقوية قدرة المنظومة ككل على أداء دورها الوقائي، باعتبار ذلك أحد الأهداف الأساسية لعمل الحكومات وسياساتها العامة.
في الأردن، ما يزال سن تقاعد الشيخوخة محددا عند 60 عاما للرجال و55 عاما للنساء، وهو إطار لم يعد منسجما مع الواقع الديموغرافي والصحي الراهن ولا مع الاتجاهات العالمية في أنظمة التقاعد. فقد تحسن متوسط العمر المتوقع خلال العقود الماضية؛ إذ تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أنه يبلغ نحو 77 عاما للإناث و74 عاما للذكور، ما يعني زيادة سنوات الحياة بعد التقاعد مقارنة بفترات الاشتراك الفعلي، وبالتالي ارتفاع الكلفة التراكمية للمعاشات التقاعدية.
وتؤكد تقارير منظمة العمل الدولية أن أبرز تحديات أنظمة التقاعد عالميا تتمثل في ارتفاع العمر المتوقع مقابل ثبات أو بطء تعديل سن التقاعد، وهو ما يرفع كلفة المعاشات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ويقوّض استدامة صناديق التقاعد ما لم تتم معالجته بإصلاحات هيكلية، وفي مقدمتها رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيا.
كما تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن متوسط سن تقاعد الشيخوخة القانوني في الدول الأعضاء يبلغ نحو 64 عاما للرجال و63 عاما للنساء، مع اتجاه واضح لدى عدد متزايد من الدول لرفعه إلى 66 أو 67 عاما وربطه تلقائيا بمتوسط العمر المتوقع. كذلك تتجه معظم هذه الدول إلى تقليص الفجوة بين سن تقاعد الرجال والنساء، باعتبار أن استمرار التفاوت لم يعد مبررا اقتصاديا أو اجتماعيا في ظل تحسن مؤشرات الصحة والعمل لدى النساء.
في هذا السياق، يُعد الإبقاء على سن تقاعد شيخوخة منخفض نسبيا في الأردن عاملا ضاغطا على منظومة الضمان الاجتماعي. ولا يقتصر أثر ذلك على الجانب "الإكتواري"، بل يمتد إلى الاقتصاد الكلي وسوق العمل، إذ يسهم الخروج الواسع من سوق العمل في سن مبكرة في تقليص حجم القوة العاملة النشطة وتراجع الإنتاجية وزيادة الاعتماد على التحويلات التقاعدية في مراحل عمرية ما تزال قادرة على العمل والإنتاج.
لذلك تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في سن تقاعد الشيخوخة، إذ إن تقاعد الشيخوخة عند 60 عاما للرجال و55 عاما للنساء، لم يعد صالحا في ظل المتغيرات الديموغرافية الحالية. ويمكن أن يشكل رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيا ليصل إلى 65 عاما للرجال و60 عاما للنساء، والبدء من المشتركين الجدد، خيارا متسقًا مع الاتجاهات الدولية، ويحقق منافع واضحة أهمها زيادة سنوات الاشتراك، وتأخير صرف المعاشات، وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية، وبالتالي تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وتماسكها.
غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب حزمة إصلاحية متكاملة تراعي طبيعة المهن، خصوصا المهن المصنفة عالميا شاقة أو خطرة، بحيث تُمنح ترتيبات خاصة. كما يتطلب مراجعة سياسات الأجور باتجاه زيادتها وتحسين هيكلها بما يجعل الاستمرار في العمل خيارا مجديا، إلى جانب تحسين بيئة العمل.
وفي الختام، تُظهر الخبرات والممارسات الدولية أن رفع سن التقاعد تدريجيا يُعد من أكثر أدوات الإصلاح فعالية وأقلها كلفة اجتماعية إذا نُفذ ضمن إطار زمني واضح وترافق مع سياسات سوق عمل داعمة متوائمة مع سياسات الحماية الاجتماعية الكلية.
(الغد)

Post a Comment

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020