recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

تقويض التقاعد المبكر يخالف الدستور والاتفاقيات الدولية والعربية

تقويض التقاعد المبكر يخالف الدستور والاتفاقيات الدولية والعربية


حاتم قطيش - رنان
22/4/2026

في غمرة النقاش المحتدم في الشارع الأردني عن التقاعد المبكر وتوجيه أصابع الاتهام  له كونه المسؤول الأول عن ارتفاع فاتورة التقاعد المبكر في مؤسسة الضمان الاجتماعي وهو المجرم الذي أيقظ نقطة التعادل من سباتها المستقبلي فجذبها وقربها معلناً بذلك ارتفاع المخاطر على استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي برمتها .. يجدر فهم فلسفة التقاعد المبكر والحماية الاجتماعية وهل هو خيار للعامل نفسه أم يمكن أن يكون خياراً لأهداف تنظيمية مؤسسية أو حكومية؟؟

 التقاعد المبكر أداة توازن وليس أداة مخاطر


في سياق تطور الدول الحديثة نشأت فكرة التقاعد المبكر باعتبارها أداة لتحقيق التوازن بين العمل اللائق، والصحة، والكرامة الإنسانية. فالعامل ليس مجرد أداة إنتاج، بل إنسان له دورة حياة مهنية تنتهي أحيانًا قبل السن القانونية لأسباب صحية أو اجتماعية أو حتى نفسية.

وانطلاقاً من أن العامل بالأساس يتمتع بحقوق أهمها :
- الحق في العمل .. وليس الإجبار عليه
- الحق في الضمان الاجتماعي
- الحق في الكرامة الإنسانية

وباجتماع هذه الحقوق ترسخ قاعدة أن التقاعد المبكر هو خيار شخصي للعامل، وليس وسيلة إدارية للتخلص منه، وحول هذه الفكرة بالتحديد صيغت العديد من التشريعات الدولية والوطنية لضمان تمتع العامل بهذا الحق وضمان عدم تعسف أصحاب العمل والحكومات في استخدام التقاعد المبكر كوسيلة عقاب وحل لمشاكلهم الادارية وليس حقاً للعامل يختاره بحرية خالصة دون تدخل أو تأثير أو اجبار من أحد.


التشريعات الدولية والعربية والحق في اختيار العمل وانهاؤه



نصت المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: " لكل شخص الحق في العمل، وفي حرية اختيار عمله…"
يعتبر النص جوهري ومهم في ترسيخ حق العامل في اختيار عمله ابتداءاً ثم اختيار انهاء هذا العمل ولعل من أهم وسائل انهاء العمل هو التقاعد المبكر.


كما أكدت المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن : " الحق في العمل يشمل حق كل شخص في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره…"
وفي هذا النص بالتحديد تعزيز لفكرة حرية الاستمرار بالعمل وبالتالي رفض أي انهاء قسري غير مبرر.
فالعامل الذي يختار عمله ابتداءاً و يحتفظ بحقه في الاستمرار بهذا العمل لكسب الرزق ثم ان هو أراد انهاء عمله فيجب أيضاً أن يتمتع بكامل الحق والحرية في ذلك.

من جانبها منظمة العمل الدولية ومن خلال اتفاقيات العمل الدولية أكدت على حقوق أساسية للعامل يجب أن يتمتع بها في عالم العمل وهي حقه في العمل اللائق وحقه في الحماية من الفصل التعسفي وحقه في الضمان الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق أطلقت اتفاقية إنهاء الاستخدام رقم 158 التي رسخت مبدأ عدم إنهاء علاقة العمل إلا لأسباب مشروعة، وليس لأغراض تنظيمية تعسفية، ومن هنا فإن اجبار العامل على التقاعد المبكر لأسباب تنظيمية تتعلق بالمؤسسة يعد مخالفاً مخالفة صريحة لهذه الاتفاقية كونه يخالف المبدأ الأساسي الذي شرع التقاعد المبكر من أجله وهو الحق والحرية في انهاء العمل دون ممارسة أي شكل من أشكال الضغط والتعسف.

على صعيد آخر وفي الاطار العربي فإن اتفاقيات العمل العربية أكدت بما لا يدع مجالاً للشك على وجوب استقرار العمل و حماية العامل من الفصل التعسفي بالاضافة الى تعزيز الضمان الاجتماعي.

أما  الميثاق العربي لحقوق الإنسان فإنه يكرّس الحق في العمل والضمان الاجتماعي والعيش الكريم ما يعني أن أي تقاعد مبكر يجب أن يكون بموافقة العامل الحرة وليس بقرار إداري أحادي.


التشريعات الوطنية وتضاربها مع مبدأ الاختيار في التقاعد المبكر



من المعلوم أن التشريعات الوطنية يجب أن تنسجم و التشريعات الدولية ولا تتعارض معها، وانطلاقاً من كون التشريعات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية، وفي حال كان هناك تعارضاً بينهما تبرز الحاجة الى تعديل التشريعات الوطنية بما ينسجم مع الحقوق المنصوصة ضمن التشريعات الدولية ولا تنتقص منها.
انسجم الدستور الأردني مع التشريعات الدولية والعربية فيما يتعلق باختيارية التقاعد المبكر؛ حيث تحدثت المادة 23 من الدستور أن العمل حق لجميع المواطنين، وعليه فإنه لا يجوز أن يتم سلب هذا الحق بداعي التنظيم الاداري او الترشيق الحكومي أو غيرها من المصطلحات الجميلة، كما لا يجوز أن يتم وبموجب الدستور اضطرار العامل الى التخلي عن حقه في العمل نتيجة ضغوطات صاحب العمل.

العاملون في الأردن اما أن يكونوا عاملين في القطاع العام أو القطاع الخاص، فالذين يعملون في القطاع العام يحكمهم نظام الخدمة المدنية و نظام الموارد البشرية وفي هذين النظامين مخالفة صريحة للدستور الأردني والاتفاقيات العربية والدولية فيما يتعلق بحرية العامل في الحصول على العمل والاستمرار فيه وتركه ، فالمادة 172 من نظام الخدمة المدنية والمادة 100 من نظام الموارد البشرية تتيحان للمرجع المختص انهاء خدمات الموظف دون طلبه مما يعتبر مصادرة لحق العامل الراغب في الاستمرار بعمله بمجرد استيفاءه لشروط التقاعد المبكر في الضمان الاجتماعي؛ أي أن قرار انهاء الخدمات لا يتعلق بسلوك العامل او النشاط الاقتصادي للمنشأة او مخالفته للأنظمة والقوانين بل هو لاعتبارات تنظيمية ادارية وتنفيذا لبرامج حكومية مثل الترشيق الحكومي؛ الأمر الذي لا علاقة للعامل به.
أما العاملون في القطاع الخاص فيحكمهم قانون العمل الذي يتضمن مواداً تتعارض مع الاتفاقيات الدولية والعربية في ترسيخ حرية العامل في اختيار عمله أو انهاؤه، فالمادة 23 من القانون التي تتحدث عن انهاء عقد العمل غير محدد المدة تعطي الحق لصاحب العمل بانهاء عقد العامل في أي وقت شاء ودون رغبة أو طلب من العامل بل وحتى دون ابداء أسباب موجبة لذلك .. فقط يكفيه توجيه اشعار للعامل بالرغبة بانهاء العقد قبل شهر من انهاؤه!!!

ومن هنا وترسيخاً لحق العامل في اختيار عمله وانهاؤه دون اكراه أو اجبار أو تعسف بما يتوافق مع التشريعات الدولية والوطنية توجب تعديل هذه التشريعات لتحقيق الأمان الوظيفي للعامل وبالتالي استقرار سوق العمل.

الحكومة لم تقم بواجبها بتعديل التشريعات الوطنية بما ينسجم مع التشريعات الدولية وتعيد للعامل حقه في اختيار واستمرار وانهاء عمله؛ بل أمعنت في المخالفة من خلال القرارات التي أصدرتها كقرار الترشيق الحكومي الذي كان السبب في احالة عشرات الآلاف من عمال القطاع العام الى التقاعد المبكر وأربك الدراسات الاكتوارية وخلق اشكالية ترى الحكومة أن الحل لا يكمن  بالتراجع عن هذه القرارات وتعديل التشريعات بل بالتعدي على الحقوق العمالية في حرية اختيار التقاعد المبكر!!!


تعديلات الضمان الاجتماعي تصادر حق العامل في حرية العمل وانهاؤه



مما سبق يتضح جلياً أن الحق في الاستمرار في العمل أو انهاؤه واللجوء الى التقاعد المبكر هو حق و خيار خالص للعامل وحده  يجب أن يمارسه في بحرية ودون اكراه أو تعسف ولا يجوز أيضاً اخضاع هذا الحق لأية ترتيبات ادارية أو تنظيمية.
ويتوجب على التشريعات الوطنية أن تعزز هذا الحق وتصيغ المواد التي توفر للعامل بيئة حرة تمكنه من اختيار التقاعد المبكر أو اختيار الاستمرار في العمل.
 المشروع المعدل لقانون الضمان الاجتماعي والذي يتضمن تضييقاً واضحاً على حق العامل في اختيار التقاعد المبكر؛ يعتبر أحد أشكال التعسف والحيلولة دون ممارسة العامل لحقه في الاختيار بحرية.
ان التعامل مع التقاعد المبكر من منطلق حسابات مالية بحتة للمؤسسة أو ترتيبات ادارية للمنشأة أو قرارات ترشيقية للحكومة هو تعدٍ صارخ على فلسفة التقاعد المبكر من كونه حق عمالي خالص، وان أية تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي يجب أن تأتي في اطار تعزيز الحمايات الاجتماعية والحقوق العمالية وليس الانتقاص منها والتعدي عليها!!!







Post a Comment

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020