recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

النقابات العمالية وغياب الحوكمة الرشيدة

النقابات العمالية وغياب الحوكمة الرشيدة


الراصد النقابي لعمال الأردن "رنان" - حاتم قطيش
17/6/2021

أحاول من خلال هذه المادة المختصرة تسليط الضوء على واقع النقابات العمالية من حيث تحقيق الحوكمة وكيف انعكس غياب الحوكمة الرشيدة على أداء هذه النقابات بل على الصورة النمطية عن هذه النقابات لدى العمال والحكومة وباقي مكونات المجتمع.
 ان كل ما يمكن القيام به - أو يجب أن تقوم به -  قيادة النقابات العمالية من خلال اتخاذ القرارات المنسجمة مع التوقعات أو منح السلطة أو مراقبة الأداء والمساءلة هي ما ترتكز عليه الحوكمة الرشيد، وبامكان المتابع لأداء النقابات العمالية أن يدرك ويلاحظ ببساطة بُعد هذه النقابات عن الحوكمة بل تعاكس اتجاه مسيرها مع الاتجاه المؤدي للحوكمة الرشيدة.


لماذا نحتاج الحوكمة في النقابات العمالية

النقابات العمالية كجسم مؤسسي تحكمه قوانين وأنظمة وتمارس القيادة فيه نشاطاً محدداً محكوماً بهذه الأنظمة وينتسب لهذه النقابات هيئة عامة عريضة من العمال العاملين يمارسون أيضاً حقوقهم من انتخاب قيادة النقابات ومراقبة الأداء والمحاسبة والمشاركة في الحوار الاجتماعي داخل جسم هذه النقابات، كل هذه المنظومة ان هي احتكمت للحوكمة الرشيدة كان أداء هذه النقابات مميزاً ومهنياً وعادلاً وتشاركياً ويمكن قياس مدى تطبيق هذه النقابات للحوكمة من خلال واقع ومخرجات هذه النقابات ومدى رضى منتسبيها والتداول السلمي والطبيعي لقيادة هذه النقابات.

واقع الحوكمة في النقابات العمالية 

الانتخاب واختيار القيادة

اذا ما نظرنا نظرة سريعة على قيادة هذه النقابات نجد أن الأغلبية الساحقة من هذه القيادات مستمرة ومتمسكة بدفة القيادة منذ عشرات السنين وان التغيير على هذه القيادات لا يتم بشكل طبيعي من خلال الأطر القانونية والانتخاب، بل يتم عند تدخل ملك الموت ويغيب هذه القيادة عن المشهد قسراً فتضطر النقابات الى "انتخاب" قيادة جديدة تكون على الأغلب من نفس المنظومة والفئة المسيطرة على النقابات منذ سنوات.
ان الأنظمة الداخلية للاتحاد العام والنقابات العمالية تضع العراقيل أمام تمكين الشباب في قيادة النقابات من خلال رفع رسوم الترشح واشتراط عمر معين للترشح، بينما تفتح المجال على مصراعيه أمام الذين غادروا سوق العمل ومحالون بل ويتقاضون رواتب " تقاعد شيخوخة" من الانتساب والترشح لقيادة هذه النقابات؛ ولا تشترط هذه الأنظمة سقفاً محدداً لعدد الدورات الانتخابية لهذه القيادات وتتركها مفتوحة بدون قيد أو شرط؛ الأمر الذي أدى الى بقاء عدد كبير من المتقاعدين يتربعون على سدة قيادة هذه النقابات لعشرات السنوات.
ان مجرد العلم أن 16 من أصل 17 نقابة تم تشكيل هيئاتها الادارية لدورة جديدة مدتها خمس سنوات عن طريق التزكية فإن هذا يعطي مؤشراً واضحاً على غياب الحوكمة فيما يتعلق بممارسة الهيئات العامة لحقهم في اختيار ممثليهم ضمن اجراءات شفافة وواضحة وتضمن فرص متكافئة ومتساوية للجميع، وليس أدل على ذلك ادعاء ما يزيد عن 100 مرشح نقابي لأنتخابات أحد النقابات العمالية من تعرضهم للغبن والخداع والالتفاف على الانتخابات ليتم تشكيل الهيئة الادارية بالتزكية!!!

التشريعات الناظمة لعمل النقابات العمالية 

ان التشريعات الناظمة لعمل النقابات العمالية وعلى رأسها قانون العمل تقدح بشكل كبير بالحوكمة من حيث غياب ما يسمى حرية التنظيم النقابي واشتراط تأسيس نقابة عمالية بما يسمى التصنيف المهني وموافقة اللجنة الثلاثية في وزارة العمل والتي كان نتائجها جمود عدد النقابات العمالية على 17 نقابة منذ عشرات السنين؛ الأمر الذي خلق ردة فعل سلبية من جدوى هذه النقابات طالما هي بقيت تحت تدخل الحكومة وأصحاب العمل.
في آخر تعديلات على قانون العمال والتي جرت في العام 2019 وبدلاً من اقرار تعديلات تدفع باتجاه تكريس الحوكمة وضمان استقلالية هذه النقابات، نجد أن التعديلات اشترطت لاعتماد الأنظمة الداخلية وتعديلها موافقة وزارة العمل، فكيف لنا أن ندعي حرية التنظيم النقابي وهذه النقابات بالأصل لا تمتلك حرية وضع وتعديل أنظمتها الداخلية بحرية واستقلالية!!!
ان تحييد القضاء فيما يتعلق بحل النقابات العمالية ومنح هذه الصلاحية لوزير العمل هو أمر يتعاكس ويتضاد مع الحوكمة الرشيدة ويفاقم من شبهات تدخل الحكومة بعمل النقابات العمالية وقراراتها، مما يؤكد غياب الحوكمة الرشيدة ليس فقط داخل النقابات بل بالعلاقة بين الحكومة وهذه النقابات.

الأنظمة الداخلية للاتحاد العام والنقابات العمالية 

ان من ثوابت الحوكمة الرشيدة تضمّنها لهياكل قانونية عادلة تضمن مشاركة الجميع وترسخ سيادة القانون وتمنح الفرص بعدالة، ناهيك عن وجوب أن يكون التوصل لهذه الأنظمة بطريق التوافق ونتاج حوار معمّق لا يساهم فيه الجميع فحسب؛ بل يتوافق عليه الجميع ويتم بشفافية عالية ويكرس وينظم المساءلة والمحاسبة وممارسة كل الأطراف للأدوار المنوطة بهم داخل النقابات.
ان ما تم من تعديل للأنظمة الداخلية للاتحاد العام والنقابات العمالية في الأشهر الماضية ليتعارض بكل المقاييس مع الحوكمة الرشيدة، ابتداءاً من تمرير هذه التعديلات بسرية تامة دون الاعلان عن عقد المؤتمر العام ولا حتى نتائجه بعد انعقاده، مروراً بتغييب الحوار الاجتماعي وبالتالي صمّ الآذان عن الاستماع لأي رأي قد يخالف رؤية وتوجهات القيادة الحالية وحصر تداول هذه التعديلات بين فئة محددة قليلة جداً من قيادة النقابات بالرغم ان هذه الأنظمة ستطبق على جميع منتسبي النقابات العمالية الذي يقدر عددهم بعشرات الآلاف، وانتهاءاً بطبيعة التعديلات التي جرت على هذه الأنظمة والتي تزيد الفجوة والهوّة بين النقابات والحد الأدنى من الحوكمة الرشيدة.
ان طبيعة هذه التعديلات تأتي ليس لتلبية احتياج العمال لها ولا لمواكبة التطور التكنولوجي وانعكاسه على العمل النقابي وسوق العمل وأشكال الوظائف الجديدة التي ستحل مكان أشكال الوظائف الحالية ولا لتطوير الآليات والأدوات النقابية الحديثة لزيادة الانتساب مثلا أو عقد الاجتماعات ودفع الاشتراكات ومرونة هذه النقابات في التعاطي مع كل هذه المعطيات والمستجدات، انما يمكن للمطلع على هذه التعديلات أن يخرج بانطباع أنها جاءت لزيادة مساحة صلاحيات القيادة الحالية و ضمان بقاءها على رأس هذه النقابات لأطول مدة ممكنة وتكبيل يد النقابات من خلال اشتراط موافقة الاتحاد مثلا على أي أنظمة تضعها هذه النقابات العامة للجانها العمالية الداخلية؟؟!! ، كما أنها تسلب الهيئات العامة حقها ليس فقط في وضع وتعديل أنظمتها الداخلية بل في اقرارها لاحقاً.

الحوار الاجتماعي والتوافق

ان وجود الأنظمة والقوانين التي تحكم أي مؤسسة انما تأتي لتنظيم عمل هذه المؤسسة والعلاقة بين أعضائها وتأطير صلاحيات القيادة فيها وتعزيز نظام المراقبة والمساءلة والمحاسبة ولابد أن تراعي العدالة والفاعلية لجميع الأعضاء وتنتهج المشاركة والشفافية.
ان ما تم من تعديل للأنظمة الداخلية للاتحاد العام والنقابات العمالية في الأشهرالماضية وان كان يتذرع البعض أنه قد تم مراعاة النظام الداخلي وشروطه لاجتماع وصلاحيات المؤتمر العام، نقول أن هذه الأنظمة وضعت أساساً من قبل نفس الفئة المسيطرة على قيادة الاتحاد والنقابات وبالتالي هناك شبهة تفصيل وتكييف هذه الأنظمة مع مصالح هذه الفئة، كما أن من أهم فاعلية هذه الأنظمة أن يشارك فيها الجميع ولا مناص من الوصول الى التوافق على هذه الأنظمة ليتم احترامها وتطبيقها بشكل عادل، وهذا باعتقادي لم يتم هذه المرة ولا حتى في المرات السابقة.
ان بقاء تعديل وتداول الأنظمة الداخلية بين فئة قليلة محددة معظمها أصلا من المتقاعدين الذين غادروا سوق العمل منذ سنوات أو ممن يقبعون داخل مباني النقابات وخلف أبوابها الموصدة ولا يعيشون التحديات التي يعيشها هؤلاء العمال، ان بقاء الحال هكذا لا يبشر أننا نسعى الى الحوكمة الرشيدة في النقابات العمالية ولا توجد نية حقيقة للتغيير والتطوير وارساء العدالة والتشاركية، بل على العكس فإننا ذاهبون الى مزيد من الاقصاء والتفرد بالقيادة وبناء الحواجز الاضافية بين النقابات والعمال واتساع الفتق يوماً بعد يوم حتى أمسى مستعصٍ على الرتق مجدداً.

فاقد الشيء لا يعطيه 

ان الهدف الكبير الذي يجب أن يسعى اليه الجميع هو الوصول الى الحوكمة الرشيدة في كافة مكونات الدولة، وان الوضع الصحي أن يتم اشتباك حقيقي بين منظمات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات وجميع الفعاليات الشعبية و الحكومة بهدف تطبيق الحوكمة الرشيدة، ولا بد لهذه المؤسسات أن تقوم بتطبيق الحوكمة الرشيدة داخلها قبل مطالبة الحكومة بها كون ذلك يعكس ايمان القائمين على هذه المؤسسات ابتداءاً بالحوكمة وممارستها على أرض الواقع لضرب أمثلة حية وحقيقة للأثر الايجابي والنقلة النوعية عند تطبيق الحوكمة ولتدريب كوادرها وأعضاءها على الممارسة الفضلى للحوكمة الرشيدة.
ان حال النقابات العمالية بالأمثلة القليلة التي أوردتها آنفاً لتعكس انطباعاً سلبياً عن واقع هذه النقابات ومدى بعدها عن الحوكمة الرشيدة بل وانتهاجها أسلوب الهروب الى الأمام والتماهي في تغييب الحوكمة الرشيدة، ان كل هذه المعطيات لتجعل النقابات العمالية فاقدة للأهلية والاستحقاق لمطالبة الحكومة مثلاً بتطبيق الحوكمة الرشيدة، فأول برهان يمكن لك أن تبرهنه لاثبات ايمانك بأمر ما هو تطبيقك الفعلي لهذا الأمر، فكيف لنقابات عمالية تكاد تخلو من الشباب والمرأة في مواقعها القيادية أن تطالب مثلا بتمكين هذه الفئات؟! وكيف لنقابات عمالية أعضاء محددين بالقيادة وتهمش الآخرين وتقصيهم ويتم تشكيل هيئاتها الادارية بالتزكية لا بالانتخاب المباشر، كيف لها أن تطالب الحكومة بحياة ديمقراطية وقوانين انتخاب عادلة؟! وكيف لنقابات عمالية تعتمد أسلوب "الرجل الواحد" في القيادة ولا تكلف نفسها عناء الاستماع لآراء عمالها أن تطالب الحكومة بانتهاج الحوار الاجتماعي؟! وكيف لنقابات عمالية أن تطالب بتعديل التشريعات الناظمة لسوق العمل أو النقابات العمالية لتكون أكثر عدالة وشفافية وهي تقوم بتعديل أنظمتها الداخلية بسرية تامة وبشكل يتعارض مع أسس العدالة والتشاركية والشفافية؟! الجواب وبكل وضوح أنها لن تكون جادة بمطالبها ولن تسعى لها بقوة لانتفاء المبرر والدافع الرئيسي ففاقد الشيء لا يعطيه.

ما السبيل للوصول للحوكمة الرشيدة في النقابات العمالية 


انه من البساطة بمكان ولا يتطلب الأمر تدخل المحترفين أو الاختصاصيين للتوصل لقناعة غياب الحوكمة الرشيدة عن النقابات العمالية، ولكن ما يهمنا هو ليس اثبات أو نفي غياب الحوكمة أو معنى أدق مقدار بعد النقابات العمالية عن الحوكمة الرشيدة، بل ان المهم هو التحدث بايجابية والسعي نحو تذليل العقبات وازالة الحواجز وفتح الطريق للنقابات العمالية من أجل المضي قدماً لتحقيق وتطبيق الحوكمة الرشيدة.
ان أهم مرتكز يمكن الارتكاز عليه للانطلاق نحو الحديث عن الحلول هو الاعتراف والاقتناع من قبل القائمين على النقابات العمالية بوجود اشكالية أساساً ووجود حاجة ملحّة لتطبيق الحوكمة الرشيدة في النقابات العمالية، بعدها سيكون " الباقي تفاصيل"، أما اذا بقينا أمام عقلية الرفض والتمنع والتمترس خلف جُدُر مسنّدة فإننا سنبقى ندور ضمن حلقة مفرغة ولن نهتدي الى الطريق القويم في انقاذ النقابات العمالية.
ان استجاب الله لدعوات المقهورين من العمال والنقابيين واهتدى قادة النقابات العمالية الى قناعة وجوب اصلاح النقابات العمالية فإن أول ما يمكن أن يقوموا به هو اطلاق حوار اجتماعي حقيقي يجمع كافة ممثلي العمال في مؤتمر عام يليق بالعمال ونقاباتهم والشروع في تعديل الأنظمة الداخلية للنقابات ونظام الاتحاد العام تحقق فيها الاستقلال المالي والاداري للنقابات وتضمن حرية التنظيم النقابي ،وضع أنظمة انتخابية عصرية تحقق العدالة وتكافؤ الفرص لكل من هيئات الاتحاد العام ومجالسه والهيئات الادارية للنقابات العامة والفروع واللجان النقابية، ثم الدعوة الى انتخابات مبكرة لا يترشح لها من كان ضمن منظومة قيادة النقابات العمالية والاتحاد، بغير ذلك سنبقى في حالة التدافع والصراع حتى يهيأ الله للعمال ونقاباتهم أمراً رشيداً.






إرسال تعليق

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020